وأيضا : فكيف يكون العلم بأنّه عالم متعلّقا بالعلم ، وقد نعلمه عالما من لا يعلم علمه لا على جملة ولا على تفصيل ، كالنظام « 1 » وجميع من نفى الأعراض .
وليس لأحد أن يقول : مثل هذا يلزمكم إذا قلتم : إنّ العلم بأنّ الأسود أسود علم بسواده .
وذلك أنّ السواد مدرك ، وكلّ من شاهد الأسود فلا بدّ من أن يكون مدركا لسواده وعالما به على جهة الجملة ، ونفاة الأعراض يعلمون السواد على الجملة ، وإنّما يجهلون كونه غيرا للمحلّ ، وهذا يرجع إلى التفصيل ، ومثل هذا لا يمكن العلم ؛ لأنّه غير مدرك ، فلا وجه يوجب القول بأنّ من علم العالم عالما لا بدّ من أن يعلم علمه على جملة ولا على تفصيل .
على أنّ العلم بأنّ العالم عالم لو كان متعلّقه العلم الذي به كان عالما ، لاستحال أن يعلم عالما من لا علم له ، يعلم به الأشياء ، وكان يجب استحالة العلم بالقديم تعالى عالما ، وفي صحّة ذلك دلالة على فساد هذا القول .
وليس يمكن أن يدّعي : أنّ العلم بأنّ العالم عالم يتعلّق بما له كان عالما ، فمتى علم أحدنا عالما تعلّق العلم بعلمه ، وإذا علم القديم تعالى عالما كان العلم متعلّقا بذاته ؛ لأنّ هذا يوجب أنّ مدلول الدلالة يختلف ، وهذا يؤدّي من الفساد إلى ما لا خفاء به .
فإن قيل : ولم أنكرتم أن يكون متعلّق العلم بأنّ العلم عالم ، هو أنّ له معلوما ، والعلم بأنّه قادر ومعلوم أنّ له مقدورا ؟
قلنا : هذا يبطل بالعلم بأنّه حيّ موجود ؛ لأنّ هاتين الصفتين لا تعلّق لهما فيقال فيهما ما قيل في عالم وقادر .
ولا يمكن أن يقال : إنّ العلم بأنّه حيّ موجود علم بذاته ؛ لأنّه قد يعلم ذاته من لا يعلم كذلك ، فلا بدّ من الرجوع إلى أنّ ذلك علم بكونه على حال مخصوصة ، فإنّ بها ممّن ليس كذلك .
هامش
( 1 ) . هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار البصري النظّام ، تربّى بالبصرة ثمّ رحل إلى بغداد وأسّس مدرسة لمحاربة الدهريين ، كما حارب في بغداد المرجئة والمجبّرة والمحدّثين والفقهاء من أهل السنّة ، وكان يذهب إلى خلق العالم ، وهو لم يكن متكلّما فحسب بل كان شاعرا وفقيها وجدليا وفيلسوفا ، كما اهتمّ بدراسة أصول الفقه ، توفّى ببغداد ما بين سنتي 220 - 230 ه ، له مصنّفات عديدة .