إلى ذلك يرجع ؛ لأنّا قد بيّنّا فساد ذلك من قبل من وجوه .
وممّا يدلّ أيضا على ذلك : إنّا قد علمنا امتناع وجود العلم « 1 » في جزء من قلب زيد ، ووجود جهل يضادّ ذلك العلم في جزء آخر من قلبه في حالة واحدة ، فلو لم يكن العلم يوجب الجملة حالا ، لما وجب ذلك ، كما لم يستحيل وجود السواد والبياض في جزءين من قلبه ، لمّا لم يوجبا للجملة حالتين متضادّين .
فأمّا الذي ندلّ به على القسم الثاني : وهو إنّ العالم بأنّه عالم يتعلّق بكونه على حالة « 2 » مخصوصة ، وهو أنّ أحدنا يجد نفسه معتقدا باضطرار ويتأمّل حاله في سكون نفسه إلى المعتقد ، فيعلم أنّه عالم ، وما يجد نفسه عليه هو ما يختصّ به من الحال الراجعة إليه .
ولا يمكن أن يقال : إنّ ذلك يتعلّق بالعلم الحالّ في قلبه ، على أنّ حكم ذلك العلم من حيث حلّ قلبه ، حكم سائر المعاني الحالّة من سواد وبياض وغيرهما ، وإن خالف العلم هذه المعاني من حيث كان موجبا للجملة حالّا ، فثبت بذلك أنّ علمه تعلّق بما هو عليه من الحال ، وهذا يقتضي أنّ معلوم العلم بأنّ العالم عالم في كلّ موضع ، كونه على هذه الحال المخصوصة ؛ لأنّ معلوم العلم لا يختلف باختلاف العالمين .
وممّا يدلّ على ذلك : أنّ العلم يتعلّق بالمعلوم على حدّ تعلّق الدلالة ، وقد بيّنّا أنّ الفعل المحكم إنّما يدلّ على كون من صحّ منه على حال مخصوصة ، وإنّما لا يدلّ على العلم ، فيجب أن يكون العلم بأنّه عالم مطابق لهذا الوجه ؛ لوقوع العلم موقع الدلالة في هذا الباب .
ويدلّ أيضا على ذلك : إنّ العلم بأنّ العالم عالم ، لا يخلو من أن يكون متعلّقا بعلمه ، أو متعلّقا بأنّه على حال مخصوصة ، أو متعلّقا بمجرّد ذاته .
وليس يجوز أن يكون متعلّقا بعلمه ، لما تقدّم من أنّا نستدلّ ونتوصّل إلى كونه عالما بالفعل المحكم الذي يقع من الجملة دون أبعاضها ، فيجب أن يكون دالّا على اختصاص الجملة بما ليس لمن يقدر ذلك عليه ، وليس الفعل واقعا من العلم ، ولا من محلّه ، ولا تعلّق بينه وبين الفعل المحكم الذي به يستدلّ ومن جهته يعلم ، وإذا لم يدلّ الفعل على العلم ، فكذلك العلم بأنّه عالم لا يتعلّق بالعلم ، لوجوب تطابق الأمرين .
هامش
( 1 ) . في الأصل : علم .
( 2 ) . في الأصل : حال .