كان يجب أن تكون موجودة لا في محلّ حتى تتعلّق به ؛ لأنّ وجودها فيه يستحيل ، ووجودها في محلّ لا حياة فيه كذلك ، فوجودها في محلّ مع الحياة يقتضي تعلّقها بمن تلك الحياة حياة له ، على ما تقدّم في الكتاب ، وقد بيّنّا أنّ من حكم القدرة لأمر يرجع إلى صحّة الفعل بها ، استعمال محلّها في الفعل ، ودلّلنا على أنّ الفعل لا يصحّ أن يقع بها إلّا بأن يبتدأ هو أو ما سببه في محلّها ، ومتى وجدت لا في محلّ بطل حكمها ولم يصحّ الفعل بها .
دليل آخر : وممّا يدلّ على ذلك أيضا ، أنّا قد بيّنّا فيما تقدّم من الكتاب أنّ قدرنا مع اختلافها لا يصحّ أن يفعل بها الأجسام والألوان وما أشبههما من الأجناس المخصوصة ، وبيّنّا أنّ اختلاف القدر لا يقتضي اختلاف المقدورات ، وأنّ من حقّ كلّ قدرة أن يقدر بها على كلّ جنس يقدر لغيرها عليه ، وإنّ هذا الحكم يجب في القدر من حيث كانت قدرا ويصحّ الفعل بها ، وهذا يقتضي بقدر الأجسام والألوان عليه تعالى ، لو كان قادرا بقدرة ، وفي علمنا أنّه تعالى هو الفاعل ، لها دلالة على نفي كونه قادرا بقدرة .
دليل آخر : وممّا يدلّ على استحالة كونه حيّا بحياة قديمة ، ما قد بيّنّاه من اعتبار حكم الحياة وتأثيرها في المحلّ ، وأنّ وجودها في غير محلّ مستحيل ، والحياة القديمة لو كانت ثابتة لم يجز حلولها المحلّ ، وإنّما كانت توجد لا في محلّ ، وذلك باطل بما ذكرناه .
فصل في الإشارة إلى قوىّ شبه أصحاب الذات [ و ] الصفات والكلام عليها
فقد تعلّق هؤلاء بأشياء :
منها : قولهم : لو كان عالما لذاته ، لوجب أن يكون ذاته علما ، أو إذا لم يكن عالما لذاته فهو عالم بعلم .
ومنها : إنّ كونه عالما أو قادرا إذا رجع إلى ذاته ، وجب أن يكون قادرا على كلّ ما يعلمه .
ومنها : إنّ الفعل المحكم يدلّ على العلم ، كما يدلّ على كون الفاعل عالما .