وينافيه أن يوجد على هذا الوجه ، ولذلك لمّا كان أحدنا يصحّ أن يفعل العلم في قلبه وكان قادرا على الجهل الذي هو ضدّه ، صحّ أن يفعله في قلبه ، على الوجه الذي ينافيه عليه العلم ، وبما يكشف عن ذلك أنّ الطريق الذي يعلم القادر على الشيء قادر على ضدّه ، إنّما يظهر في المنافي دون المتضادّ في الجنس ، وإنّا نحمل ما لا يتنافى في وجوب كونه قادرا عليه على المتنافي ، فالأصل في كون القادر قادرا أن يقدر على الضدّين المتنافيين ، وما عدا ذلك فرع له وتابع .
وإنّما قلنا : إنّ العلم لا يبتدأ على بعض الأحوال على حدّ ما يبتدأ الجهل ؛ لأنّ العلم لم يكن علما لجنسه ، وإنّما يكون كذلك لوقوعه على وجوه مخصوصة يجب أن تراعى ، والجهل ليس يراعى فيه من الوجوه ما يراعى في العلم ، فلذلك جاز ابتدائه على كلّ حال .
وبعد ، فإنّ العلم لا يضادّ الجهل من حيث كان علما ، وإنّما يضادّه من حيث كان اعتقادا للشيء على ما هو به ، ويصحّ من القادر ابتداء هذا « 1 » الاعتقاد الذي يرجع التضادّ في الحقيقة إليه على كلّ حال ، كما يصحّ أن يبتدأ بالجهل .
فإن قيل : ألا كان هذا الجهل مقدورا له ، ويكون ما هو عليه في كونه عالما لنفسه كالمانع من وجوده ؟
قلنا : هذا يبطل من وجوه أربعة :
أوّلها : إنّ ما حال وجود الشيء على كلّ وجه ، يحيل كونه مقدورا ؛ لأنّ كونه مقدورا لا بدّ معه من صحّة وجوده على كلّ وجه ما ، وكلّ شيء يتعذّر لمانع فلا بدّ من صحّة زواله على بعض الوجوه ، ولولا صحّة / 35 / هذه الجملة لالتبس المعذور بالمستحيل .
ثانيها : أن يكون عالما لنفسه ، ليس بأن يمنع من فعل الجهل ، أولى من أن يقال : إنّ كونه قادرا لنفسه ، عليه يقتضي صحّته ؛ لأنّ المنع لا يجوز على القادر لنفسه .
وثالثها : إنّ ما يستحيل وجوده على كلّ حال ، لا يكون ضدّا لغيره في الحقيقة ، وقد بيّنّا أنّ ذلك العلم ضدّ « 2 » على التحقيق .
ورابعها : إنّ هذا القول يوجب أنّ في الأجناس ما يستحيل عليه الوجود ؛ لأنّ ذلك
هامش
( 1 ) . في الأصل : هذه .
( 2 ) . في الأصل : ضدّا .