ذكروا لم يخلّ بما أردناه ، وذلك أنّ القديم تعالى إذا كان قادرا على العلم ، فيجب أن يكون قادرا على الجهل ؛ لأنّ من حقّ القادر على نفسه أن يقدر على كلّ جنس يقدر عليه بالقدرة ؛ لأنّ حاله في المقدورات أزيد من أحوال القدر - على ما سنبيّنه من بعد - فكان يجب على هذا أن يكون قادرا على فعل الجهل على الوجه الذي فعل عليه العلم ، وإن لم يكن ضدّا ، ولأدّى صحّة وجوده إلى وجوه الفساد الذي قدّمناه .
فإن قيل : بأيّ شيء تنكرون أن يكون كذلك للعلم « 1 » ضدّ في الجنس ، وإن لم يكن ضدّا منافيا على الحقيقة ؟
قلنا : قد ثبت أن لعلمنا « 2 » ضدّا في الحقيقة منافيا ، فإذا ثبت ذلك فيه ببيان لذلك العلم الذي هو من جنسه [ لوجب ] أن يشتركا « 3 » فيه .
وأيضا : فإنّ تجويز ذلك يؤدّي إلى تجويزه في الألوان ، [ و ] أن يكون له ضدّ في الجنس ، وإن لم يكن منافيا ، وهذا يوجب أن يكون في الجواهر ما يستحيل انتقاله من جهته .
وأيضا : فإنّ التضادّ في الجنس متى لم يبتني على التضادّ الحقيقي ، لم يعقل ولم يصحّ إثباته ، وهذا يبطل أن يكون لبعض المعاني ضدّ في الجنس ، ولا يكون ضدّا على الحقيقة .
والذي يدلّ على أنّ القادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على ضدّه ، يأتي من الكتاب في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
فإن قيل : من أين إذا كان للعلم ضدّ ، وكان قادرا على « 4 » ضدّه ، أنّه يصحّ منه إيجاده لا في محلّ ؟ لأنّ الذي يقتضيه كونه قادرا على الشيء ، أن يكون قادرا على ضدّه ، ولا يقتضي ذلك صحّة إيجاده ضدّه على كلّ وجه صحّ إيجاده عليه ، أوليس أحدكم قادرا على أن يبتدي الجهل ، ولا يقدر على فعل ابتدأ به لا من الجهل ؟
قلنا : إذا ثبت أنّ العلم [ له ] ضدّ ينافيه ، فلا بدّ من أن يكون القادر عليه قادرا على أن يفعله على الوجه الذي ينافيه ، وإذا كان العلم موجودا لا في محلّ ، وجب فيما يضادّه
هامش
( 1 ) . في الأصل : العلم .
( 2 ) . في الأصل : يعلمنا .
( 3 ) . في الأصل : شركا .
( 4 ) . في الأصل : عليه .