سنذكره مضافا إلى ما بيّنّاه من إبطال كونه عالما بعلم محدث أو معدوم - وجب أن يكون عالما لنفسه ، ومن حقّ العالم لنفسه أن يعلم جميع المعلومات ، ولا يصحّ أن يكون فيها ما لا يجب كونه عالما به .
والذي يدلّ على ذلك أنّ تعلّقه بالمعلومات تعلّق العالمين ، لا تعلّق المعلوم والعالم ، من « 1 » صحّة كونه عالما بكلّ معلوم لغير اختصاص ، وإذا كان عالما لنفسه وجب في كلّ ما صحّ أن يعلمه ثبوت كونه عالما به ؛ لأنّ صفة النفس متى صحّت وجبت .
والذي يدلّ على أنّ تعلّقه تعلّق العالمين أشياء :
منها : إنّ الأفعال المحكمة إنّما صحّت منه لأجل هذا التعلّق ، وهذا الحكم يختصّ العالم دون العلم ، لاستحالة الفعل المحكم من العلم .
ومنها : إنّه لأجل هذا التعلّق يجب كونه حيّا ، وتعلّق العلم بمعلومه لا يجب فيه ذلك بل يستحيل فيه .
ومنها : إنّه لو تعلّق « 2 » بالعلوم ، لوجب كونه من جنس العلم ؛ لأنّ العلوم إنّما يتماثل بالمشاركة في التعلّق بالمعلوم الواحد على الوجه الواحد ، في الوقت الواحد .
ومنها : إنّه قد وقعت منه تعالى أفعال كثيرة ، يدلّ على كونه عالما بمعلومات كثيرة ، والعلم لا يصحّ أن يتعلّق على سبيل التفصيل بأكثر من معلوم واحد ، فثبت أنّ تعلّقه تعالى يخالف تعلّق العلوم .
فأمّا الذي يدلّ على أنّ المعلومات لا اختصاص فيها ، وأنّ كلّ عالم يصحّ أن يعلم كلّ معلوم فظاهر ؛ لأنّه لا معلوم يشار إليه إلّا يصحّ أن يعلمه كلّ حيّ ، كما أنّه لا مدرك إلّا ويصحّ أن يدركه كلّ مدرك ، ومراد إلّا ويصحّ أن يريده كلّ مريد ، وإنّما جاز الاشتراك في المعلوم ولم يجز في المقدورات ؛ لأنّ العالم يعلم الشيء على ما هو عليه ، ولا يصير على بعض الصفات بالعالم والقادر بجعل الشيء على صفة ، فلهذا لم يصحّ فيه الاشتراك .
وإذا ثبت الجملة التي ذكرناها وكان تعالى عالما ، وجب لنفسه أن يعلم الجميع ؛ لأنّ الصحّة لا تفارق الوجوب في صفات النفس .
هامش
( 1 ) . في الأصل : + كونه .
( 2 ) . في الأصل : + تعلق .