أحدها : أن يقع العلم متولّدا على النظر .
والأمر [ الثاني ] : أن يقع بأن نذكر كيفية النظر ، نحو ما يفعله المتنبّه من نومه .
والثالث : أن يكون من فعل العالم بمعتقده ، نحو ما يفعله القديم تعالى فينا من العلوم الضرورية . « 1 »
وأضاف من تأخّر عنهما إلى ذلك وجهين آخرين :
أحدهما : أن يعلم في الجملة أنّ من حقّ الموصوف بصفة أن يكون بصفة أخرى أو حكم آخر ، فمتى علم « 2 » شيئا يستحقّ الصفة الأولى على التفصيل ، فلا بدّ من أن يفعل اعتقادا لكونه على الصفة الثانية والحكم ، فيكون هذا الاعتقاد علما ، لتقدّم العلم الأوّل .
ومثاله : العلم في الجملة بقبح الظلم مفصّلا ، وأنّ من حقّ المحدث أن يكون له محدثا ، وأنّه متى [ حدث ] علما [ و ] ظلما بعينه ، ومحدثا معيّنا ، فعل العلم بقبح الظلم مفصّلا ، وحاجة المحدث إلى المحدث مفصّلا .
والوجه الآخر : أن يكون الاعتقاد علما بوقوعه ممّن « 3 » تذكّر كونه عالما ، وأجرى ذلك العلم بالمعتقد المجرى العلم بالمعتقد ، كما أجرى الذكر النظر .
وقد زيد على ذكر هذه الوجوه الخمسة وجه سادس على مذهب لأبي هاشم خاصّة ، وهو أن يكون الاعتقاد علما ؛ لأنّه اعتقاد لمن هو عالم بالمعتقد ، وإن كان لمّا فعله لم يكن عالما للمعتقد .
ومثاله : أن يعتقد تقليدا ، ككون زيد في الدار ، ثمّ يشاهده ، فيصير الاعتقاد أوّلا علما لكون الأوّل علما .
فإن قيل : من أين أنّ الاعتقاد لا يكون علما إلّا بما « 4 » حصرتم من الوجوه ؟
قلنا : لوجه يعقل سوى ما ذكرناه ، ولو جوّزناه وجها واحدا ، لصحّ أن يبتدئ أحدنا فيفعل العلم من غير أن يوقعه على أحد الوجوه التي ذكرناها ، ولا يجوز أن يكون مشاهدة الأدلّة وجها لكون الاعتقاد علما ، فإنّ أحدنا قد يشاهد الأدلّة التي على اللّه تعالى وأحواله ، ولو اعتقد ابتداء في حال مشاهدتها كونه تعالى قادرا مثلا لم يكن هذا الاعتقاد
هامش
( 1 ) . في الأصل : الضرورة .
( 2 ) . في الأصل : علما .
( 3 ) . في الأصل : من .
( 4 ) . في الأصل : لما .