ولا يجوز أن يكون قادرا بقدرة تحلّ في غيره ؛ لأنّ ذلك الغير لا بدّ أن يكون حيّا ، ولو جاز أن يقدر بقدرة تحلّ سواه ، لجاز أن يعلم بعلم في غيره ويجهل بجهل في غيره ، وهذا يقتضي كونه عالما جاهلا بالشيء الواحد على الوجه الواحد إذا علمه عالم وجهله جاهل .
على أنّ القدرة الموجودة في محلّ فيه حياة ، يجب أن تكون قدرة لمن تلك الحياة حياة له ، ويؤدّى ذلك إلى إثبات مقدور واحد في « 1 » قادرين ، وفساد ذلك يأتي بعون اللّه .
ولا يجوز أن تكون القدرة موجودة لا في محلّ ؛ لما قد بيّنّاه في إبطال كونه قادرا بقدرة معدومة ، من أنّ القدرة لا يصحّ الفعل بها إلّا بأن يستعمل محلّها أو في سببه ، وهذا يقتضي أنّ وجودها لا في محلّ يبطل حكمها وصحّة الفعل بها .
وبمثل ما قلناه يعلم إنّه لا يجوز أن يكون حيّا بحياة محدثة ؛ لأنّه كان يجب أن يكون هو المحدث لحياته ، ومن ليس بحيّ لا يصحّ أن يحدث شيئا .
وجميع ما أوردناه في القديم ، إذا أورد على هذا الكلام ، كان الجواب عنه ما بيّنّاه ، فإنّ الطريقة واحدة .
وممّا يدلّ أيضا على إبطال كونه حيّا بحياة توجد لا في محلّ ، ما قدّمناه في إبطال كون الحياة التي يحيي بها معدومة من الوجهين معا ، المتضمّنين باعتبار تأثير الحياة ، وأنّه يقتضي وجودها في المحلّ .
وأمّا الذي يدلّ على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون عالما بعلم محدث ، فهو أنّ القول ذلك يوجب أن يكون الذي علم به من فعله ، وقد ثبت أنّ العلم لا يقع علما إلّا ممّن هو عالم قبل إيجاده ، فلو لم يكن عالما إلّا بعلم محدثة ، وكان لا محدثة إلّا وهو عالم ، لتعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه ، ولم يصحّ لا كونه عالما ولا وجود علم ، [ و ] هذه الجملة مبنيّة على أصلين :
أحدهما : إنّ العلم يجب أن يكون من فعله .
والآخر : إنّ فعل العلم لا يصحّ إلّا من عالم .
هامش
( 1 ) . في الأصل : أمّا .