والخلاف في المعنى : هو أن يقولوا : إنّه ممكن ، وأمر معلوم أن يخرج من كونه ثابتا وغير ثابت ، وشيء ثابت أنّه يعرى من أن يكون متقدّم الوجود ولا ابتداء لثبوته وبين أن يكون وجد بعد أن لم يكن موجودا .
وهذا لا يصحّ من كامل العقل ، العلم بأنّ كلّ صفتين اقتضت إحداهما نفي ما أثبتته الأخرى ، فمحال أن يعرى شيء من المعلومات منهما ، ولا بدّ من أن يكون على إحداهما ، والذي بنينا عليه الكلام « 1 » ، هو المعنى دون العبارة والأسماء ، وإذا كان معنى الوجود والعدم والحدوث أو القدم لا بدّ من أن يكون حاصلا بهذه المعاني ، فلا ضرر في الامتناع من العبارة ؛ لأنّه غير مخلّ بما قصدناه .
وليس لأحد أن يقول : كيف يكون ما دلّهم معلوما ضرورة ، وقد خالف فيه ابن كلاب « 2 » وسليمان بن جرير « 3 » ومن تابعهما ؟
وذلك أنّ خلاف هؤلاء عند التحقيق يرجع إلى العبارة دون المعنى .
وأمّا الخلاف في العبارة : والامتناع من إجراء الوصف على ما هو ثابت ، فإنّه موجود على ما هو موجود فيما لم يزل بأنّه قديم ، فالذي يسقطه الرجوع إلى اللغة وموضوعها ، وقد علمنا أنّ أهل اللغة وضعوا قولهم « موجود » للتفرقة بين الثابت والمنتفي ، وقولهم « قديم » الأزلي الوجود ليفرّقوا / 32 / بينه وبين المتجدّد الوجود ، من غير أن يخطر ببالهم كون ما يوصف بذلك ويفرّق بينه وبين غيره صفة أو موصوفا ، فيجب على مقتضى اللغة أن يجري ما أجروا من الأوصاف في كلّ موضع عقلنا ما عقلوا ، فيما أجروا من أجله الاسم
هامش
( 1 ) . في الأصل : + و .
( 2 ) . هو أبو عبد اللّه بن كلاب ، من قدامي المتكلّمين وينتسب إليه فرقة « الكلابيّة » وكان يقول : إنّ كلام اللّه تعالى هو معنى أزلي قام بذاته تعالى ، مع أنّه شيء واحد : توراة ، وإنجيل ، وزبور ، وفرقان ، وأنّ هذا الذي نسمعه ونتلوه حكاية كلام اللّه تعالى ، وفرقوا بين الشاهد والغائب .
( 3 ) . هو سليمان بن جرير مؤسّس إحدى الفرق الزيديّة الثلاث المسمّاة ب ( السليمانيّة ) ، كان يعتقد بجواز إمامة المفضول على الفاضل ، وصحّتها ومشروعيّتها ، وعليه اعترف بإمامة أبي بكر وعمر ، وكان يقول : إنّ البيعة طريق الإمامة ، وقال بكفر عثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وغيرهم ممّن حارب عليّا عليه السلام وخرجوا على إمامته . اتّهم سليمان بأنّه دبّر بأمر من الرشيد العباسي مكيدة فقتل إدريس بن عبد اللّه الحسني مؤسّس دولة الأدارسة بالمغرب بالسّم .