أن يكون تعالى عالما بعلم معدوم .
وممّا يدلّ على ذلك أيضا : ما قدّمنا ذكره من أنّ المتعلّقات بأغيارها لا نفسها يخرجها العدم من التعلّق ، وهذه الطريقة تدلّ على استحالة كونه قادرا بقدرة معدومة ، كما يدلّ في العلم .
والذي يدلّ على أنّه لا يجوز أن يقدر بقدرة معدومة ، وهو أنّ القدرة من حكمها صحّة الفعل ، ولا يصحّ الفعل بها إلّا بعد أن يستعمل محلّها في الفعل أو في سببه ، وإذا كان هذا الحكم لا يصحّ فيها وهي معدومة ، ثبت أنّها لا توجب كون القادر قادرا إلّا مع الوجود .
فإن قيل : وما الدليل على ما ادّعيتموه في حكم القدرة ؟
قلنا : الدليل عليه أنّ أحدنا قد يخفّ عليه حمل الشيء الذي يستعين على حمله بيمينه وشماله ، عمّا كان عليه لو حمله بإحدى يديه ، وربّما يأتي منه مع الاستعانة باليدين حمل ما يتعذّر بإحداهما ، مع أنّ قدر كلتا « 1 » يديه بمنزلة واحدة في إيجابها كونه قادرا ، فلو لا صحّة ما ذكرناه من حكم القدرة ، لم يجب هذا الذي قضينا بوجوده على كلّ حال ، وفي علمنا بوجوبه دلالة على أنّ من حكم القدرة ما بيّنّاه ، وأنّ الفعل بقدر اليسار في اليمين إنّما يتعذّر من حيث لم تكن موجودة في اليمين ؛ لأنّه قادر بالجميع .
والذي يبيّن أنّ هذا الحكم إنّما وجب في القدرة لأمر يرجع إلى أنّها قدرة ، وكونها ممّا يصحّ الفعل بها ، إنّا وجدنا العلم والإرادة يشاركانها في شأنيّة الصفات المعقولة ، سوى اقتضاء صحّة الفعل ، ولا يشاركانها في هذا الحكم الذي ذكرناه . ألا ترى أنّا نفعل الكتابة بأيدينا لمكان العلم الحالّ في القلب ، وكذلك نفعل الخبر خبرا لمكان الإرادة الموجودة في القلب ؟ ولا يقف ذلك على استعمال محلّ العلم أو الإرادة في الفعل ولا في سببه ، ومثل هذا لا يسوغ في القدرة ، فثبت أنّ هذا الحكم يختصّها لما هي من اقتضاء صحّة الفعل ، فوجب استحالة الفعل بها وهي معدومة .
فإن قيل : ولم لا يجوز أن يكون المعدوم حالّا في غيره ؟
قلنا : لو صحّ ذلك ، لوجب أن يتضادّ السّواد والبياض على المحلّ في حال عدمهما ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : كلتى .