فصل في أنّه تعالى لا يختصّ في ذاته بصفة زائدة على ما ذكرناه ، والردّ على أصحاب المائيّة
اعلم أنّ كلّ ما للعلم به طريق ، فإنّه لا يجوز إثباته على صفة لا تقتضيها ذلك الطريق إمّا بنفسه أو بواسطة ، وقد علمنا أنّ طريق إثباته تعالى هو الفعل ؛ لأنّه بأفعاله يتوصّل إلى إثباته ، فيجب أن تكون أوصافه مثبتة من طريق الفعل أيضا إمّا بنفسه أو بواسطة ، وهذا الكلام مبنيّ على موضعين :
أحدهما : إنّ كلّ شيء ثبت من طريق ، فمنه تثبت أحواله وصفاته .
والموضع الآخر : إنّ الفعل لا يدلّ على صفة تزيد على ما أثبتناه لا بنفسه ولا بواسطة .
والذي يدلّ على الأوّل وجودنا [ و ] سائر المدركات كالسواد وغيره ، لمّا ثبتت بالإدراك لم يصحّ أن يثبت لها صفة لا تقتضيها إدراك بنفسه أو بواسطة .
وكذلك كون الجسم متحرّكا ، [ فإنّه ] لمّا كان الطريق إلى إثبات ذات الحركة كان هو الطريق إلى إثبات صفاتها ، حتى لا يثبت لها شيئا من الصفات إلّا وكون الجسم متحرّكا ، طريق إليه بنفسه أو بواسطة .
والقول بخلاف ما ذكرناه يؤدّي إلى الجهالات ، وإلى إثبات أحوال ومعان له تعالى ولغيره من المدركات سوى ما عقلناه لا نهاية لها ، وذلك تشكيك في العلم ؛ لتضادّ الذوات وتماثلها وإيجاب العلل وتأثير الأسباب .
والذي يدلّ على الأصل الثاني : أنّ الفعل بمجرّده لا يدلّ إلّا على كون من صحّ منه قادرا ، ووقوعه على وجه الأحكام لا يقتضي إلّا كونه عالما ، وبوقوعه على وجه دون آخر لا يدلّ على أكثر من كونه مريدا أو كارها ، وكونه على هذه الصفات يدلّ على كونه حيّا ، ووجوب هذه الصفات له يقتضي على رأي أبي هاشم إثبات صفة له نفسه لأجلها وجبت هذه الصفات ، وليس في الفعل ولا فيما يرجع إليه ما يقتضي ما يدّعونه من المائية ، فيجب نفيها .
فإن قيل : أليس أثبت أبو هاشم له تعالى صفة نفسيّة أوجبت عنده ما ذكرتموه من