لم يكن كذلك ، لصحّ بقائه مع الجهل بوجود ذلك الشيء ، مثل أن يعلم أنّ زيدا سيموت في غد ، ويجهل في غد موته مع بقاء علمه الأوّل ، وفي علمنا باستحالة كونه جاهلا بالمعلوم مع بقاء العلم الأوّل دلالة على صحّة ما قلناه من أنّ متعلّق علم الأوّل هو وجوده ، وإنّما قلنا : إنّه لا ينكر وجود الجهل مصاحبا لبقاء العلم الأوّل ؛ لأنّ متعلّقهما على ما يذهب إليه المخالف لا يتناول وجها واحدا ، وكلّ علمين تعلّقا بالمعلوم على وجهين ، جاز « 1 » وجود كلّ واحد منهما مع الجهل المضادّ للآخر ، إذا لم يكن أحدهما أصلا للآخر .
وليس هذا الدليل مبنيّ على وجوب بقاء العلم ، فيفرض بأنّه لا يبقى ، بل قد يجوز أن يقال : لو بقي كيف ما كان « 2 » ، يكون الحال في جواز مصاحبة الجهل الذي ذكرناه له ، فإذا علم استحالة مصاحبته له لو بقي ، علم أنّه يتعلّق بوجود الذات ؛ لأنّ بقاء العلم لا يقلب متعلّقه ويجعله متعلّقا بغير ما كان متعلّقا به لو « 3 » قيل : بل لا بدّ من قولنا [ إنّه ] لو بقي أو وجد مثله في الثاني لصحّ الكلام ؛ لأنّه إذا استحال أن يصاحب « 4 » الجهل لما هو مثل العلم الأوّل ، صحّ أنّ الأوّل يتعلّق بما يتعلّق به الثاني من وجود الذات في الوقت الذي يوجد فيه .
ويدلّ أيضا على ذلك : أنّ العلم بأنّه سيوجد ، لو لم يكن علما بوجوده على صفة ما ذكرناه ، لكان لا يخلو لو بقي إلى حال وجود ذلك الشيء المعلوم ، من أن يكون علما بأنّه سيوجد أو علما بوجوده .
ولا يجوز أن يكون علما بأنّه سيوجد وهو موجود ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى انقلابه في حال البقاء جهلا ، وقد علم أنّ بقاء الشيء لا يقلب جنسه ، فيجب أن يكون علما بوجوده .
ويدلّ أيضا عليه : أنّ العلم بأنّ زيدا سيقوم في غد ، لو لم يكن علما بقيامه لكان لا ينكر أن يذكر هذا العالم أنّه كان عالما بذلك ، وإن جهل قيامه أو لم يعلمه ، لأنّ ذكر العلم ليس بأقوى من العلم نفسه ، وإذا كان العلم الأوّل لا يتعلّق لو بقي بقيامه ، فذكره لا يمنع من الجهل بقيامه ، وقد علمنا خلاف ذلك .
ويدلّ أيضا على صحّة ما ذكرناه : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لو أخبر بأنّ زيدا سيموت ، لكان ذلك الخبر دليلا على موته ، ويجب أن يكون من استدلّ به قبل موته أو في حال الموت أو بعده
هامش
( 1 ) . في الأصل : + كلّ .
( 2 ) . في الأصل : كانت .
( 3 ) . في الأصل : + و .
( 4 ) . في الأصل : مصاحب .