نقضنا على يحيى بن عدي النصراني « 1 » مقالته الموسومة ب « الكلام في طبيعة الممكن » « 2 » وذكرنا أنّ الأظهر عندنا أن يكون العلم بأنّ الشيء سيوجد هو مجموع علمين ؛ أحدهما يتناول وجوده في الوقت الذي يوجد فيه ، والآخر يتناول عدمه قبل ذلك ، وأنّه لم يكن موجودا ، وتجري هذه اللفظة في أنّها عبارة عن علمين مجرى العلم بأنّ الذات متحرّكة ؛ لأنّ ذلك ينبئ عن كونها في المكان عقيب كونها في غيره ، ومجرى العلم بالمعاد في أنّه مجموع ثلاثة علوم : أحدها يتناول وجوده ، والآخر يتناول عدم قبل هذا الوجود ، والآخر يتناول وجوده قبل ذلك العدم ، وقوّينا هذه الطريقة بما لا يحتاج إلى تكراره هاهنا ، ومن أراده على وجهه وقف عليه من هناك .
هامش
( 1 ) . هو أبو زكريّا يحيى بن عديّ بن حميد بن زكريّا المنطقي النصراني ، ولد بتكريت وانتقل إلى بغداد وتتلمّذ على أبي بشر مكّي بن يونس ( من كبار مترجمي بيت الحكمة ) وأبي نصر الفارابي ، ونبغ في المنطق والفلسفة ، وكان يحذق اللغتين العربية والسريانية ، ويجيد النقل عنهما ، فاشتغل مترجما في بيت الحكمة ، وعدّ من أعيان المترجمين فيها ، وكان منهمكا أشدّ انهماك في أعمال الترجمة والتأليف والتصحيح ، ونظرا لخبرته في المنطق والفلسفة فقد نقل خيرة أعمال فلاسفة مدرسة حرّان السريانيين وفلاسفة اليونان أمثال أرسطو وأفلاطون وأضرابهما ، كما أنّ له تأليفات عديدة في علمي المنطق والفلسفة ، وأقدم من ترجم له معاصره ابن النديم ، قال عنه : « يحيى بن عدي ، إليه انتهت رئاسة أصحابه في زماننا ، كان أوحد دهره ، ومذهبه من النصارى اليعقوبيّة ، قال لي يوما في الوراقين - وقد عاتبته على كثرة نسخه - فقال : من أيّ شيء تعجب في هذا الوقت ، من صبري ، قد نسخت بخطّي نسختين من التفسير للطبري وحملتهما إلى ملوك الأطراف ، وقد كتبت من كتب المتكلّمين ما لا يحصى ولعهدي بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة وأقلّ ، وله من الكتب . . . » توفّى سنة 364 ه ،
الفهرست : 322 طبعة تجدّد ، تاريخ حكماء الإسلام : 97 ، تاريخ الآداب العربية لبروكلمان : 4 / 120 .
( 2 ) . ذكر المترجمون لحياة الشريف المرتضى رحمه اللّه كالنجاشي وابن النديم والطوسي وغيرهم كتبا ورسائل عديدة للمرتضى ألّفها في مختلف العلوم الإسلامية منها ثلاثة كتب عدّدها النجاشي واعتبرها ردودا منه على رسائل وكتب يحيى بن عديّ وهي : ( الردّ على يحيى بن عدي ، كتاب الردّ على يحيى أيضا في اعتراضه دليل الموحّدين في حدث الأجسام ، الردّ عليه في مسألة سماها طبيعة المسلمين ) لكن لم يذكروا هؤلاء المترجمون لحياة المرتضى كتابا أو رسالة أو مقالة له باسم ( الردّ على المقالة الموسومة بالكلام في طبيعة الممكن ) ليحيى بن عدي ، وأظن أنّ الرسالة الأخيرة التي ورد ذكرها في ترجمة النجاشي ونسبها ليحيى بن عديّ باسم « الكلام في طبيعة المسلمين ) وأنّ المرتضى رحمه اللّه ردّ عليه هو تصحيف للرسالة التي يشير إليها المرتضى في هذا الكتاب بعنوان ( الكلام في طبيعة الممكن ) واللّه أعلم .
ويبدو أنّ هذه الرسائل الثلاث تعدّ من تراث المرتضى المفقود .