ومنها : إنّ أحدنا يعلم ما يقتضي من أفعال غيره ، ككلامه وقيامه وقعوده وضروب أفعاله ، ولا يجوز أن يقال في هذه العلوم أنّها تتعلّق في الحقيقة بأنّ هذه الأفعال كانت موجودة ، وذلك أنّ العالم بها يفصّل بين حالة قد كان عالما بوجودها من قبل وبين علمه الآن بها بعد تقضيها ، كما يفصّل بين حالتيه فيما يعلمه من وجود الجسم وكونه متحرّكا ، ولا شيء أظهر ممّا يجده الإنسان من نفسه .
وممّا يقال في ذلك أيضا : إنّا قد فصّلنا بين القديم والمحدث ، ولو كان المعدوم « 1 » يصحّ أن يعلم لما وقع هذا العلم ؛ لأنّ العلم بحدوث الذات هو علم بعدمها قبل وجودها ، وإذا قيل إنّ العلم بتجدّد الوجود يكفي في ذلك ، أمكن أن يقال : إنّ تجدّد الوجود إذا حصل لم يعقل منه إلّا الوجود بعد العدم ، وإلّا فهو غير معقول .
فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأنّه تعالى عالم بالمعلومات كلّها فيما لم يزل ، وهو الآن عالم بأنّها موجودة ، وفيما لم يزل لا يصحّ وصفها العلم بذلك ، بل كان عالما بأنّها غير موجودة وأنّها ستوجد ، وكذلك كان عالما فيما لم يزل بأنّه غير فاعل ، والآن لا يوصف بذلك ، بل يوصف بالعلم بأنّه فاعل ، وهذا يقتضي حدوث العلم على ما ذهب إليه مخالفكم ؟
قيل له : قد بيّن علماء أهل التوحيد الجواب عن هذا السؤال وأزالوا الشبهة به ، فقالوا :
إنّ العلم بأنّ الشيء سيوجد هو بعينه علم بوجوده إذا وجد ، وبأنّه كان موجودا إذا مضى ، وإنّ تعلّق العلم لا يختلف باختلاف العبارة ، كما أنّ الوقت المخصوص يختلف العبارة عليه ، فيوصف إذا كان مستقبلا بأنّه غد ، وإذا كان حاضرا بأنّه يوم ، وإذا مضى بأنّه أمس ، فتختلف العبارة ، والمعبّر عنه غير مختلف في نفسه .
وذكروا أنّ الدلالة فيما يتعلّق به ، ويجري مجرى العلم فيما ذكرناه .
فأمّا الخبر الصدق ، فمن حيث الفائدة والمعنى يجري مجرى العلم والدلالة ، ويخالفهما من حيث الصورة والصيغة ، لأنّ صيغة الخبر يختلف بالماضي والمستقبل .
والذي يدلّ على أنّ العلم بالشيء [ الذي ] سيوجد ، هو علم بوجوده إذا وجد ، أنّه لو
هامش
( 1 ) . في الأصل : + ان .