يكون وجوده شرطا في تعلّق الإدراك به ، وليس كذلك العلم ؛ لأنّه يتعلّق بالمعدوم والموجود على سواء ، وسنبيّن ذلك .
على أنّه جرى كونه عالما مجرى كونه مدركا في تعلّقه بشرط ، فيجب أن يكون المقتضي لكونه عالما هو كونه جسما بشرط وجود المعلوم ، كما اقتضى ذلك كونه مدركا ، وهذا يوجب أن يكون أحدنا متى وجد المعلوم يجب أن يكون عالما به ، لحصول المقتضي وهو كونه حيّا ، والشرط وهو وجود المعلوم ، كما وجب ذلك في كون أحدنا مدركا ، وقد علمنا فساد ذلك .
والذي يدلّ على صحّة تعلّق العلم بالمعدوم كصحّته بالموجود أشياء :
منها : إنّ الفاعل للمحكم من الفعل ، متى لم يكن عالما بكيفيّة إيقاعه على وجه الأحكام قبل أن لم يفعله ، / 26 / لم يصحّ أن يقع منه محكما ، وهذا يوجب أن يكون المعدوم معلوما .
وليس لأحد أن يقول : إنّ العلم بما ذكرتم من الصنائع المحكمة لا يتعلّق بالمعدوم في الحقيقة ، وإنّما يتعلّق بوجوده .
وذلك أنّ هذا القول يوجب أن لا يعلم العالم من الكتابة وغيرها من الصنائع المحكمة إلّا ما يوجد لا محالة في المستقبل أو وجد فيما مضى ، وقد علمنا خلاف ذلك .
على أنّ العلم الذي أشير إليه لو كان يتعلّق في حال عدم العلم بوجوده ، لاستحال مع بقاء هذا العلم الجهل بوجوده ، من حيث كان يؤدّي إلى الجهل بالشيء على الوجه الذي علم عليه ، وفي صحّة كونه عالما به قبل وجوده مع جهله به عند وجوده ، دلالة على أنّ العلم الذي ذكرناه لا يتعلّق بوجوده .
وبعد ، فإنّ العلم بكيفية إيجاد فعل الكتابة به مثلا علم جملة لا يتعلّق بحروف مخصوصة ، فكيف يقال : إنّه علم بما يوجد منها ؟ وكيف يكون العلم بالموجود منها وهو علم تفصيلي ، [ و ] هو العلم المتعلّق على سبيل الجملة ، واختلافهما ظاهر ؟ !
ومنها : إنّا نعلم الثواب والعقاب والبعث والنشور ، وكلّ ذلك معدوم ، وأهل الجنّة لا بدّ أن يعلموا أنّ ثوابهم دائم متّصل وإن كان معدوما .
الملخص في أصول الدين — صفحة 125
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٢٥