القدرة على السبب قدرة على المسبّب ، وفي علمنا بأنّا نفعل أجناس الاعتمادات كلّها ولا يتولّد عن شيء منها الجوهر ، دليل على فساد ما اعترضوا به .
وأمّا الجواب عن الاعتراض الثالث : وهو المتضمّن لقولهم « ما أنكرتم أن يكونوا فاعلين للجواهر ، وإن لم يدركوها ويميّزوها للطافتها ، ولأنّها تتفرّق في الهواء » ، فهو أنّ المانع من إدراكها لو كان ما ذكروه من التفرّق ، لوجب إذا أدخل أحدنا يده في جراب وأوثق سدّ رأسه ، واعتمد فيه زمانا طويلا أن يمتلئ بالجواهر بعد أن كان فارغا ؛ لأنّ اعتمادات يده لا بدّ على قولهم أن تولّد من الجواهر بعددها في كلّ حال .
وليس لهم أن يقولوا : إنّ الظرف إنّما لا يمتلئ ؛ لأنّ الجواهر تخرج من خلله .
وذلك أنّ الأمر لو كان على ما قالوه ، لوجب أن لا يثبت في الزقّ الهواء بأن يخرج من خلله ، وهذا يقتضي أن لو ملأنا زقّا بالنفخ من الهواء ، أن نجده بعد قليل فارغا ، وإن لم يزل مسدود « 1 » رأسه ، وإذا فسد ذلك وعلمنا أنّ الجواهر التي تتولّد عن الاعتمادات لا تزيد في اللطافة على الهواء ، ثبت أنّ الجواهر لا يتولّد عن الاعتماد على ما ذكرناه .
وقد قيل أيضا في ذلك : إنّ الجواهر لو كانت في مقدورنا ، لجاز أن نفعله في تألّفه « 2 » ؛ لأنّ التأليف لا شكّ من مقدورنا ، وإذا تألّف الجوهر مع غيره لم يمنع إدراكه والعلم به .
وليس لهم أن يقولوا : إنّ الجواهر إذا كانت متفرّقة لم يدركوها ولم يعلموها ، فكيف يؤلّفونها ؟ وذلك أنّ التأليف لا يفتقر إلى العلم بالمؤلّف والتمييز له .
ولا لهم أن يقولوا : إنّ التأليف لا يحتاج إلى بيّنة مخصوصة حتّى يقع بين الجواهر ، وأنتم فاقدون لتلك الآلة ، ولذلك إنّ جنس التأليف لا يحتاج إلى آلة ، وإن كان بعض التأليف إذا وقع على بعض الوجوه يحتاج إلى آلة ، ألا ترى أنّ جنس التأليف قد يقع من كلّ قادر إذا حلّ سببه على كلّ حال ، وأسباب التأليف - وهي المجاورات - في مقدورنا ، فكان يجب إذا فعلنا الجواهر والمجاورة بين بعضها وبعض أن يجتمع ويتألّف ، فيدرك ويميّز إن كان المانع من إدراكها ما ادّعوه من اللطافة ، وفي فساد ذلك دليل على صحّة ما ذكرناه .
وممّا يدلّ على أنّ الجوهر لا يقع من فعلنا متولّدا ، أنّ الاعتماد الذي قد بيّنّاه من قبل إنّه
هامش
( 1 ) . في الأصل : سد .
( 2 ) . في الأصل : تولفه .