بأن ينجذب فيخلف الهواء بأولى من أن ينعط جانبا المحجمة ويلتقيا ؟
وأمّا الجواب عمّا ذكروه ثالثا : فقد بيّنّا أنّ اعتبار القارورة في صعود الماء إليها ، يدلّ على صحّة قولنا وبطلان قولهم ، وأزلنا ما تعلّقوا به من حرارة الهواء وبرودته ، فلا وجه لإعادته .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون المانع لكم من فعل الجواهر ، وإن كانت مقدورة لكم ، أنّ الأجزاء من القدرة لا يصحّ أن تفعل ببعضها دون بعض إذا كانت في جارحة واحدة ؛ فلا بدّ من أن يفعل اعتمادات كثيرة في كلّ جزء وتعدّد ما في الجارحة من القدر ، وإذا كان الأمر كذلك لم يصحّ أن يتولّد الجوهر عن بعضها دون بعض ، فيجب أن يولّد الجميع ، ومن شأن الاعتماد ألّا يولّد إلّا من جملته ، وجملته هي المكان الثاني ، فيجب من ذلك اجتماع الجواهر الكثيرة في مكان واحد ، وهذا وجه معقول يمنع من الفعل وإن كان مقدورا .
قلنا : إذا سلّمنا أنّه لا بدّ أن يفعل بكلّ قدرة ، لم يجب ما ظننتم ؛ لأنّ جهة الاعتماد ليس هي المكان الثاني خاصّة ، بل جهات ذلك السّمت كلّه هي جهة الاعتماد ، ولهذا يحرّك أحدنا أوّل الرمح بالاعتماد عليه في حالة واحدة ، فيتحرّك آخره كما يتحرّك أوّله ولو كان بطول الأرض .
وأيضا : فكان لا يمتنع أن يقع عليه منّا الجواهر على بعض الوجوه ، بأن يفعل في محلّ القدرة من الاعتمادات ما يعادل كلّ ما في ذلك المحلّ من الفعل الآخر أو أحدا ، ثمّ يقع الجوهر بذلك الجزء ، على أنّ بعض الشيوخ لا يسلّم أنّ الفعل ببعض القدر دون بعض لا يصحّ ، ويجوّز ذلك ، وإذا لم يسلّم هذا الأصل ، لم يتمّ ما بنوا عليه السؤال ، وليس هذا موضع استقصاء الكلام في صحّة « 1 » ذلك من فساده .
فأمّا الجواب عن الاعتراض الثاني من القسمة الأولى : التي ذكرناها ، وهو المتضمّن لقولهم « ما أنكرتم أن يكون الجواهر إنّما تعذّرت منكم » ؛ لأنّ ما فيكم من القدر لا يتعلّق بها ، وإن جاز أن يكون في العدم قدرة يتعلّق بالجواهر ، وإن فعلت فيكم لتأتّى منكم فعلها ، فإنّ الدليل قد دلّ على اختلاف القدر كلّها ، وإنّ مقدورها في الجنس متّفق ،
و
هامش
( 1 ) . في الأصل : صحّته .