تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
إذا كانت القدرة الموجودة فينا مختلفة الأجناس ولم يتأتّ بشيء منها فعل الجواهر ، وعلمنا أنّ القدرة المعدومة ليس خلافها الموجود فينا إلّا كاختلاف القدر الموجودة بعضها لبعض ، صحّ بذلك القطع ، على أنّ الجواهر لا يتأتّى فعلها بشيء من القدر الموجودة والمعدومة . فإن قيل : وما الدليل على أنّ القدر كلّها مختلفة الأجناس كما ادّعيتم ؟ قلنا : الدليل على ذلك تغاير متعلّقاتها ؛ لأنّ كلّ قدرة لا بدّ فيها من أن تكون متعلّقة بغير متعلّق القدرة الأخرى ، وإذا كانت بهذه الصفة لم يسدّ كلّ واحد منها مسدّ الأخرى فيما رجع إلى ذاتها ، وجرى وجوب اختلاف أجناسها لهذه العلّة مجرى اختلاف العلمين إذا تغاير متعلقهما ، والإرادتين إذا تغاير متعلقهما ، فلا بدّ من أن يكون ما يبقي أحدهما لا يبقي الآخر ، وهذا ظاهر في وجوب اختلافهما . فإن قيل : وما الدليل على أنّ مقدور القدر متغاير ، فعليه بنيتم الاختلاف ؟ قلنا : الدليل على ذلك أنّ القدرتين لو تعلّقتا بمقدور واحد ، لم يمنع أن يتعلّقا به ، وإن حصلا لقادرين ، فيؤدّي ذلك إلى كون المقدور / 23 / الواحد مقدورا لقادرين . والذي يبيّن ذلك أنّه لا جنس من أجناس الأعراض إلّا ويحتمله كلّ محلّ يشار إليه ، ويصحّ وجوده على بعض الوجوه وجوده فيه ؛ لأنّ ذلك لو لم تجر لأدّى إلى تجويز وجود جوهر لا يجوز وجود جنس السواد فيه ، أو وجود جوهر لا يصحّ كونه في محاذاة مخصوصة ، وإذا استحال ذلك وجب القطع على أنّ زيدا لو جاز أن يوجد فيه قدرتان على مقدور واحد ، لجاز أن يوجد في عمرو ما هو من جنس تلك القدر ، قياسا على سائر الأجناس ، وهذا سنبيّن فساده فيما يأتي من الكتاب عند انتهائنا إلى موضعه إن شاء اللّه . فإن قيل : وما الدليل على أنّ مقدور القدر في الجنس متّفق ، مع اختلافهما في أنفسهما ؟ قلنا : لو لم يكن مقدور القدر متّفقا في الجنس ، لم يمتنع أن يقدر ببعضها على ما لا يقدر عليه بسائرها ، حتّى يكون في القادرين منّا من يقدر على الكون ولا يقدر على الاعتماد ، أو يقدر عليهما ولا يقدر على الصوت ، أو يكون قادرا على التصرّف في بعض الأماكن ، ولو نقل إلى مكان آخر لتعذّر عليه التصرّف فيه ، وكلّ ذلك ظاهر الفساد ، فثبت أنّ مقدور