يتولّد الكون عن الاعتماد ولا الجوهر ؛ لفقد الشرط في توليده .
فإن قيل : فألّا كان ما ذكرتموه جهة منع ، وإن كان الجوهر في مقدوركم ؟
قلنا : كلّ ما يؤثّر تأثير الموانع يجب صحّة ارتفاعه على وجه من الوجوه ، وإلّا التبس الجائز بالمستحيل .
وليس لهم أن يقولوا : نحن نقدّر صحّة ارتفاعه ، إن تصادف فعل أحدكم الجوهر فعل اللّه تعالى فيه الكون ، فيظهر ويزول جهة المنع .
وذلك أنّ هذا باطل من وجهين :
أحدهما : إذا جاز أن يحدث الجوهر في كلّ جهة على البدل ، وقد صار كونه في إحدى الجهات بمنزلة كون الكلام خبرا عن زيد دون غيره ممّن كان يجوز أن يكون خبرا عنه ، وكما أنّ القادر على ذات الخبر يجب أن يكون هو الذي يجعله خبرا ، فكذلك الجوهر يجب أن يكون الجاعل له موجودا ، هو الجاعل له في بعض الجهات التي كان يصحّ وجوده فيها وفي غيرها على البدل ، وكما يجب في الإرادة التي بها يكون الخبر خبرا ، أن يكون من فعل فاعل الخبر ، كذلك يجب في الكون الذي به يكون الجوهر كائنا في جهة دون أخرى ، أن يكون من فعل فاعل الجوهر .
والوجه الآخر : إنّ الكون في الجوهر الذي يفعله لو كان حاصلا فيه من فعل اللّه تعالى ، لوجب أن يكون تعالى قادرا على ذلك الكون الذي به يكون في تلك الجهة ، من غير أن يكون قادرا أن يفعل فيه في ذلك الوقت ما يضادّ ذلك الكون ، وهذا محال .
وإنّما قلنا : إنّه يؤدّي إلى ذلك ؛ لأنّه لو كان قادرا على ضدّه وفعله ، لكان الجوهر متولّدا عن الاعتماد في خلاف جهة ، ولا يجوز أن يولّد الاعتماد في خلاف جهة إلّا عند الصلة وعلى وجه قد علم بعده هاهنا .
وممّا يدلّ أيضا على أنّ فاعل الأجسام لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة ، أنّه لا يخلو من أن يكون جسما أو محدثا غير متحيّز ، وقد دللنا على أنّ الجسم لا يصحّ أن يحلّ « 1 » الأجسام ، وما ليس بمتحيّز لا يصحّ أن تحلّه القدرة ، وإذا لم تحلّه لم يخل من أن يوجد لا
هامش
( 1 ) . في الأصل : يفعل .