فيعلم أنّا بالمصّ استخرجنا ما فيها من الهواء ، حتى سهّل ارتفاع الماء إليها من غير صوت .
وليس لهم أن يقولوا : إنّ القارورة إذا مصصناها حصل فيها هواء حارّ والحارّ سريع الحركة ، وهي قبل المصّ فيها هواء بارد والبارد بطيء الحركة ، فلهذا افترقت الخلاءان فيها .
وذلك إنّ الهواء قد يحمى في القارورة بالنار والشمس ، على وجه يعلم ضرورة أنّه يزيد على حرارة هواء الفم واللهاث « 1 » ، ومع ذلك فلا يجب فيه مثل ما ذكرناه عند المصّ .
على أنّ الماصّ للهواء ما لا يكون نافخا في حال مصّه ، بل المصّ كالمضادّ للنفخ ، فكيف يحصل في القارورة - في حال مصّنا للهواء فيها - هواء من أفواهنا ؟ وذلك لا يكون إلّا بالنفخ الذي ما استعملناه !
وقد تعلّق من ذهب إلى أنّ العالم لا خلأ فيه بأشياء : « 2 »
منها : إنّ الآلة المعروفة بالسحارة ، وهي الآلة التي يكون في رأسها ثقب واحد وفي أسفلها ثقوب كثيرة ، إذا ملأناها بالماء ثمّ شددنا رأسها بالإبهام ، لم ينزل الماء من الثقب التي في أسفلها ، وإذا أزلنا ابهامنا نزل الماء ، ولا علّة لذلك إلّا إنّا عند شدّ رأسها بالإبهام منعنا الهواء من أن يخلف في مكان الماء .
ومنها : إنّ الحجّام إذا مصّ المحجمة [ جذب ] اللحم من الرقبة وحصل في داخل المحجمة ، ولا علّة لذلك إلّا لأنّ المصّ لمّا أخرج الهواء حصل اللحم في مكانه .
ومنها : إنّ القارورة الضيّقة الرأس إذا مصصنا ما فيها من الهواء وقلبناه على الماء ، ارتفع إليها الماء ، مع أنّ / 22 / من شأنه أن يذهب سفلا ، ولا علّة لذلك إلّا لأنّ المصّ يجعل فيه هواء حارّا والحارّ سريع الحركة ، فإذا خرج ذلك الهواء من القارورة عند وضعها « 3 » على الماء خلفه شيء من الماء وارتفع إلى مكانه ، لعلّة أنّ المكان لا يخلو من متمكّن .
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلا : ما أنكرتم أنّ العلّة في وقوف الماء عند شدّ رأس الآلة المعروفة بالسحارة بالإبهام غير ما ظننتم ، وهي أنّ رأسها إذا كان مفتوحا في الهواء للماء الذي فيها ودافعه ، فأعان نزوله من الثقوب التي في أسفلها ، فإذا شدّ رأسها لم يجر الماء من تلك الثقوب المدافعة « 4 » للهواء ؛ لأنّ ما يجري في تلك الثقب بضعفه وقلّته لا يقوى على
هامش
( 1 ) . في الأصل : اللهوات .
( 2 ) . في الهامش : دلايل إبطال الخلأ .
( 3 ) . في الأصل : كلمة لا تقرأ .
( 4 ) . في الأصل : لمدافعة .