خرق الهواء ؛ فإذا دافعه الهواء من أعلى الآلة ، أعان على نزوله ، ولا شبهة في أنّ الهواء قد يمنع ما خفّف من الأجسام من النفوذ . ألا ترى أنّ الريشة وما جرى مجراها من الأجسام الخفاف قد تقف في الهواء لخفّتها ؛ لأنّ الهواء يمنعها من النزول ، ولو كان مكانها جسم ثقيل لنزل ؟ !
والذي يبيّن ذلك أنّا لو وسّعنا الثقب لنزل الماء ، وإن كان رأس الآلة مشدودا ، وكذلك لو ملأناها « 1 » زئبقا وشددنا « 2 » ما [ على ] رأسها ، والثّقب على ما هي عليه من الضيق لنزل ، ولم يختلف الحال بين شدّ الرأس وفتحه ، وإنما كان كذلك ، لأنّ الثّقب إذا اتّسعت قوى ما يخرج منها الماء ، فلم يقوى الهواء على دفعه ، والزئبق لثقله لا يستقلّ الهواء أيضا بمدافعته ، وهذا بيّن .
فأمّا الجواب « 3 » عن الثاني : فهو إنّ العلّة في انجذاب اللحم عند المصّ بالمحجمة ، أنّ الهواء يختلط بالماء ويشاركه ، فإذا جذب الهواء « 4 » بالمصّ انجذب اللحم معه ، ولذلك لو ركّبنا محجمة على حجر ثم مصّت الدهر الأطول لما انجذب الحجر إليها ؛ لمخالفة اللحم فيما ذكرنا ، ولو كان الأمر على ما ظنّوه دون العلّة في انجذاب اللحم اضطرارا [ إلى ] الخلأ ، لوجب انجذاب الحجر ؛ لأنّ العلّة فيه قائمة .
ويبيّن ذلك أيضا : إنّا لو قدّرنا صفيحة مركّبة من أجزاء لا يتجزّأ على سبيل السطح ، ثمّ ركّبنا على محجمتين من جهتين مختلفتين ومصصنا ، لوجب على قولهم إمّا أن ينجذب الصفيحة إلى الجهتين معا في حالة واحدة وهذا محال ، أو « 5 » أن ينجذب إلى إحدى الجهتين وهذا أيضا باطل ؛ لأنّه ليس بعض الجهات بذلك أولى من بعض .
على أنّ ذلك أيضا يؤدّي إلى خلوّ الجهة التي انجذبت الصفيحة عنها من كائن فيها ، وهذا نقض مذهبهم .
أو يقولوا : إنّ الصفيحة تقف فلا تنجذب إلى واحدة من الجهتين ، وهذا يؤدّي إلى خلوّ الجهتين .
على أنّه إن كانت العلّة في انجذاب اللحم ما ذكروه من اضطرار الخلاء ، فلم صار اللحم
هامش
( 1 ) . في الأصل : لملأها .
( 2 ) . في الأصل : سددنا .
( 3 ) . في الهامش : الأجوبة .
( 4 ) . في الأصل : هواء .
( 5 ) . في الأصل : و .