وأيضا : فإنّ البيّنة إنّما يحتاج إليها ما من شأنه أن يحلّ غيره ، والجواهر لا يحتاج إلى محلّ .
فأمّا الكلام على من اعترض بأنّ العالم لا خلأ فيه : فهو إنّ الدليل قد دلّ على وجود الخلأ ، والذي دلّ على ذلك أنّه لولا الخلأ ، لما أمكن أحد أن يتصرّف ويتحرّك في العالم ؛ لأنّه إذا كان مشحونا بالجواهر من غير خلل قليل ولا كثير ، فالتصرّف متعذّر ، ولا فرق بين أن تكون الأجزاء المجاورة صلبة أو غير صلبة ، بعد أن تكون الجهات مشحونة بها . ألا ترى أنّ أحدنا لو حبس في بيت وشحن جميع ما يليه من البيت بالدقيق ، لتعذّر عليه التصرّف والتحرّك ، كما يتعذّر لو كان مشحونا بالرصاص وما مجرى مجراه ؟
وأيضا : فإنّ القول بذلك يؤدّي إلى انتقال الجسم إلى مكان غيره في حال انتقال ذلك الغير إلى مكانه ، ومعلوم فساده . ألا ترى أنّه يتعذّر علينا في كوزين مملوءين ماء أن نجعل ما في أحدهما في الآخر من غير تفريغ لأحدهما ؟
وأيضا : فإنّ الزقّ الفارغ المشدود الرأس نهاية الشدّ ، إذا كان منطبق الجانبين أحدهما على الآخر ، يمكن أن يرفع أحد جانبيه عن الآخر ، ولا يتعذّر ذلك علينا ، فيعلم أنّه قد حصل فيه مكان فارغ ؛ لأنّه لا طريق للهواء ولا لغيره إلى الدخول .
وليس يمكن أن يقال : إنّ الهواء دخل من مسامّ الزقّ في حال ما رفعتم بعضه من بعض ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن يثبت الهواء في الزقّ مدّة طويلة ، وكان يجب إذا ملأنا زقّا من الهواء بالنفخ وأحكمنا شدّ رأسه أن نجده بعد ذلك فارغا .
وممّا يبيّن أيضا ما ذكرنا : أنّ الزقّ الذي ينفخ غاية النفخ ويشدّ رأسه ، يمكن أن يدخل فيه مثلة « 1 » ، ولا يجوز أن ينتهي من الامتلاء إلى حدّ يتعذّر إدخال مثله « 2 » فيه ، فيعلم بذلك [ أنّ ] بالهواء خلأ .
وأيضا : فإنّ أحدنا إذا أخذ قارورة ضيّقة الرأس فوضعها على الماء ، لم يرتفع إليها منه شيء ، فإذا مصّها ووضعها على الماء ارتفع الماء إليها ، من غير أن يحدث لها أصوات ، كما يحصل فيه تلك الأصوات إذا أضيف « 3 » الماء فيها ؛ لأنّ الهواء إذا لاقى أجزاء الماء [ يصعد ]
هامش
( 1 ) . في الأصل : مسأله .
( 2 ) . في الأصل : المسألة .
( 3 ) . هكذا تقرأ الكلمة المكتوبة .