بها ، لم يتعذّر عليه إيقاع جنسها ؟ لأنّ كونها كتابة ينبئ عن وقوعها على بعض « 1 » الوجوه ، والجوهر هو جنس الفعل ، ومعنى قولنا : « إنّه جنس الفعل » إنّه ممّا لا يوجد إلّا جوهرا ، وليس كذلك الخبر والأمر والحسن والقبح ؛ لأنّ جنس كلّ ذلك يوجد ، وإن لم يكن مستحقّا لهذه الأوصاف ، وفي علمنا بتعذّر الجوهر منّا مع أنّه من جنس الفعل ، دلالة على استحالة كونه مقدورا لنا ، وهذا بعينه يعلم أنّه لم يتعذّر لفقد الآلة ؛ لأنّ الآلات على اختلافها إنّما يحتاج إليها في إيقاع الأفعال على بعض الوجوه ، لا في أجناسها ، وقد بيّنّا أنّ الجوهر جنس الفعل .
فإن قيل : كيف يصحّ ما ذكرتموه من أنّ العلم لا يحتاج إليه في جنس الفعل ، والنظر والإرادة جميعا لا يقعان إلّا من العالم أو ممّن [ في ] حكم العالم ، وهما جنس الفعل ؟
قلنا : إنّ النظر والإرادة لا يحتاجان في وجودهما إلى العلم ، وإنّما يحتاج كون الناظر ناظرا إلى أن يكون عالما بما ينظر فيه ، ويحتاج كون المريد مريدا إلى كونه عالما وفي حكم العالم بالمراد ؛ فالحال هي المحتاجة إلى الحال الأخرى ، دون أن تكون الحاجة مصروفة إلى حاجة ذات الإرادة ، والنظر إلى ذات العلم ، ولو صحّ أن يفعل أحدنا إرادة في غيره من غير أن يكون لها مريدا ، لجاز أن يفعلها من غير أن يكون عالما بالمراد ولا في حكم العالم به .
على أنّا قلنا : إنّ العلم بالفعل إنّما يحتاج إليه لإيقاعه على وجه دون وجه ، ولا يحتاج إليه في وقوع إيقاع جنسه ، وليس هذا ممّا عورضنا به من النظر والإرادة ، لأنّهما ليسا يحتاجان إلى العلم بهما ، وإنّما يحتاجان إلى العلم بالمراد والمنظور إليه ، وهذا بخلاف ما ذكرناه .
فأمّا ما يبطل ما سئلنا عنه من البيّنة ، فهو إنّ الجواهر لا تفتقر في وجودها إلى بيّنة ؛ لأنّها توجد متفرّقة كما توجد مجتمعة .
وأيضا : فإنّ البيّنة تفتقر في وجودها [ إليها ] ، فكيف يحتاج المحلّ في وجوده إليها ؟
وهذا يقتضي حاجة كلّ واحد إلى صاحبه ، ويؤدّي إلى حاجة « 2 » الشيء إلى نفسه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : وقوعها .
( 2 ) . في الأصل : حاجته .