لأمر أولا لوجه معقول ، بل استحال ، فيعلم أنّ القدر لا تتعلّق بفعل الأجسام .
فإن قيل : دلّوا على هذه الجملة ؟
قلنا : أمّا الدليل على أنّ أحدنا يقدر بقدرة فواضح ؛ لأنّه يتجدّد كونه قادرا مع جواز أن لا يتجدّد ، ولأنّه يضعف أحيانا ويقوى أحيانا ، وفي الجملة فطريق اثبات الأكوان متأتّ في إثبات القدر ، وما قدّمناه من كون المحدث قادرا لنفسه .
ويوضّح ذلك أيضا : والذي يدلّ على أنّ فعل الأجسام لا يتأتّى بها ، إنّا قد علمنا أنّ القادر منّا لا يصحّ أن يفعل الجسم إلّا على أحد وجهين :
إمّا مباشرا ، [ أو ] عدّه ما ابتدأ في محلّ القدرة عليه « 1 » متولّدا ، وهو واقع بحسب عادته .
والجسم لا يصحّ أن يفعل على الوجهين جميعا .
فإن قيل : ولم أنكرتم أن يكون أحدنا يفعل الأفعال مخترعة ، ولا تكون متولّدة ولا مباشرة ؟
قلنا : أنكرنا من قبل لأنّه يؤدّي إلى أمور فاسدة :
منها : أن يكون القويّ منّا يمنع الضعيف في الشوق والحركة في الجهات ، وإن كان بعيدا منه وغير مماس له ولا لما ماسّه .
ومنها : أن يكون المريض المدنف ، [ الذي ] لا قدرة في جوارحه ، يخترع بقدر قليلة « 2 » الأفعال في جوارحه لا قدر في قلّته « 3 » ، وذلك إنّا نعلم أنّ المدنف قد يريد ويعتقد ويفكره بقلبه ، وإن تعذّر عليه تحريك جوارحه .
ومنها : إنّه يؤدّي إلى أن يخترع أحدنا بعد شماله الفعل في يمينه ، وهذا يوجب أن لا يخفى على أحدنا ما يحمله بيمينه وشماله معا عمّا كان عليه كما حمله بيمينه ، [ و ] قد علمنا ضرورة فساد ذلك .
فثبت أنّ أفعالنا لا تكون إلّا مباشرة أو متولّدة .
والذي يدلّ على أنّ الجسم لا يقع منّا ، إنّا لو فعلنا على هذا الوجه لأدّى إلى اجتماع
هامش
( 1 ) . في الأصل : + و .
( 2 ) . في الأصل : قلته .
( 3 ) . هكذا تقرأ الجملة المكتوبة في الأصل .