والذي يدلّ على أنّ العدم يمنع من تعلّق ما يتعلّق بغيره لنفسه ، أنّ القدرة التي يقدّر بها أحدنا لا يتعلّق إلّا وهي موجودة ، ومتى عدمت خرجت عن التعلّق التي « 1 » ذكرناه أنّها لو تعلّقت مع العدم لصحّ الفعل بها وهي معدومة ، فكيف يصحّ الفعل بها وهي لا يختصّ القادر ؟ لأنّها إنّما يختصّه بأن يجد بعضه ، ولو صحّ أن يقدر أحدنا بقدرة معدومة ، وقد علمنا أنّ ما في العدم من القدر لا يتناهى لما بعد ، وعلى أحدنا حمل من الأجسام وإن ثقل ، ولا يصحّ أن يجب عليه في بعض الأوقات ما كان يثقل في غيره ، واستحال أيضا أن يكون بعضنا قدر من بعض وامتنع منه .
وفي بطلان كلّ ذلك دلالة على أنّ القدر لا تتعلّق وهي معدومة ، وإذا كان العدم هو المقتضي لخروجها من التعلّق على ما ذكرناه في الإرادة ، وجب في كلّ متعلّق بغيره لنفسه مثل ذلك .
فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم قديم « 2 »
قد دللنا على أنّه تعالى موجود ، فلو لم يكن قديما لكان محدثا ؛ لأنّه لا منزلة في الوجود بين القدم والحدوث ، ولو كان محدثا لأدّى إلى أحد الأمرين :
إمّا إلى وجود ما لا نهاية له من المحدثين ، ومحدثي المحدثين .
أو إلى وجود محدث لا محدث له .
وكلا « 3 » الأمرين فاسد ؛ لأنّا قد دللنا على « 4 » حاجة المحدث - من حيث كان محدثا - إلى المحدث ، وهذه قضيّة مستمرّة في كلّ محدث ، لاستمرار علّتها ، و [ أنّ ] وجود ما لا يتناهى من المحدثين محال ؛ لأنّه يؤدّي إلى قدم بعض المحدثات . ألا ترى أنّه لا بدّ من إثبات قديم ما هو موجود فيما لم يزل منها ، ولأنّه كان يجب أنّ العالم ما حدث إلّا بعد وجود الضدّين في حالة واحدة ، فإنّ وجوده محال ، وقد علمنا أنّ أحدنا لا يصحّ أن يبتدئ « 5 » فعلا من الأفعال بعد أن يفعل قبله ما لا نهاية له ، وإذا استحال هذا مستقبلا ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : هي ما .
( 2 ) . في الهامش : في إثبات القدم .
( 3 ) . في الأصل : كلى .
( 4 ) . في الأصل : + ان .
( 5 ) . في الأصل : + الفعل .