استحال ماضيا ، وقد تقدّم الكلام على هذا مستقصى في باب حدوث الأجسام .
وأيضا : فإنّ المحدث لا يقع إلّا من قادر ، أو لا بدّ من تقدّم كونه قادرا على كونه فاعلا على ما سندلّ عليه فيما يأتي من الكتاب بعون اللّه تعالى ، وما تقدّم عليه غيره فلا بدّ وأن يكون له أوّل ما لا نهاية له .
قلنا : ما اقتضى حاجة المحدث من حيث كان محدثا إلى غيره ، يقتضي حاجته إلى من له صفة مخصوصة ، فمن أثبت محتاجا إلى غير من له ، كمن نفى حاجته على كلّ وجه .
ألا ترى أنّا إنّما توصّلنا إلى إثبات المحدث لحاجة تصرفنا إليه « 1 » ، وقد علمنا أنّ تصرّفنا إنّما يحتاج إلى من له صفة مخصوصة وهي صفة المختار القادر ، فإثبات من يحتاج التصرّف إليه من غير أن يكون على هذه الصفة التي بها توصّلنا إلى المحدث كسبيّة « 2 » ، وهذا يغني عن سائر ما تكلّف من الكلام / 20 / على أصحاب الطبائع ؛ فهو طويل .
فإن قيل : هذا الذي اعتمدتموه يقتضي إثبات قديم يقتضي الصفة « 3 » ، فمن أين إله هو الذي صنع للعالم ؟ وما تنكرون أن يكون صانع العالم بعض الذوات المحدثة ، وإن كان الصانع لذلك الذات هو القديم ؟
قلنا : لا بدّ من كون صانع العالم قادرا ، والقادر لا يعدوا احدى منزلتين :
إمّا أن يكون يستحقّ هذه الصفة في حال يجب استحقاقه الصفة فيها .
أو في حال كان يجوز أن لا يستحقّها فيها .
والقسم الأوّل : يقتضي كونه قادرا لنفسه أو لما هو عليه في نفسه .
والقسم الثاني : يقتضي أن يكون قادرا بقدرة ، وليس يجوز أن يكون بعض الذوات المحدثة قادرا لنفسه ولا لما هو عليه في نفسه ؛ لأنّ ذلك يقتضي وجوب كونه قادرا مع الوجود ؛ لأنّ صفة النفس لا تفارق الذات في كلّ حال ، والصفة الراجعة إليها لا بدّ من حصولها مع الوجود ، وفي هذا وجوب كونه حيّا مع وجوده ، لأنّ كونه حيّا لو لم يجب متى وجد ، لما وجب كونه قادرا ، وقد بيّنّا أنّ كونه قادرا إذا كان للنفس أو لما يرجع إلى النفس ، فلا بدّ من وجوبه في حال الوجود وفي وجوب كونه حيّا متى وجد ، ولجاز أن يوجد على
هامش
( 1 ) . في الأصل : إلينا .
( 2 ) . هكذا يقرأ اللفظ المكتوب في الأصل .
( 3 ) . في الأصل : الصنعة .