ولا بدّ لمن تعلّق بذلك إذا قيل له : ولم خرجت الإرادة من الصفة التي يقتضي التعلّق ؟
أن يقول : إنّما خرجت لأجل عدمها ، فيؤول الأمر إلى أنّ العدم هو المؤثّر في الخروج من التعلّق ، إمّا بنفسه أو بواسطة ، على أنّ ذلك يوجب خروج كلّ معدوم عن الصفة التي يقتضي تعلّقه ، فيتمّ منه غرضنا ويثبت أنّ صانع العالم لا يجوز أن يكون معدوما ؛ لأنّ عدمه كان يجب أن يخرجه عن التعلّق وعن الصفة التي يقتضي التعلّق .
وأمّا الكلام على الفصل الرابع وقسمه الأوّل : فظاهر ؛ لأنّه إذا ثبت في الإرادة أنّ عدمها يخرجها من تعلّقها دون غيرها ، فيجب في كلّ متعلّق لغيره لنفسه أن يكون عدمه مخرجا له من التعلّق ، وفي هذا صحّة ما أوجبناه وجود صانع العالم ؛ لثبوت كونه قادرا على ما تقدّم .
وليس لأحد أن يقول : الإرادة إنّما أحال تعلّقها بالمراد من حيث كان وجودها شرطا في تعلّقها ، ولم يثبت في صانع العالم تعالى أنّ وجوده شرط في تعلّقه ، وذلك أنّ المستفاد من قولنا : « أنّ الوجود شرط » إنّ ارتفاعه يحيل الحكم ، فيصير بحصول الحكم أنّ عدم الإرادة إنّما أحال تعلّقها بالمراد ؛ لأنّ عدمها يحيل هذا التعلّق ، وهذا تعليل الشيء بنفسه .
وليس له أيضا أن يقول : إنّ عدم الإرادة إنّما أحال تعلّقها ؛ لأنّها يوجب الصفة المخصوصة للمريد ، ولأنّ تعلّقها إنّما يتعلّق بهذا « 1 » المتعلّق المخصوص بالإرادة « 2 » ، وذلك أنّ إيجاب إرادة « 3 » الصفة للمريد تابع لوجودها ومشروط به ، فلا يجوز أن تعلّق استحالة عدمها ووجوب وجودها بأنّها توجب الصفة للغير ؛ لأنّ هذا يقتضي أن يكون وجودها تابعا لإيجابها ، وقد بيّنّا أنّ إيجابها تابع لوجودها ، وهذا يقتضي أن يكون الشيء تابع لما هو تابع له ، وأن يتعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه .
وهذا بعينه هو الجواب عن قولهم : « إنّ الإرادة إنّما وجب وجودها حتّى يتعلّق لأحد ممّن « 4 » لها التعلّق المخصوص » ؛ لأنّ هذا التعلّق الذي أشاروا إليه مشروط بالوجود وتابع له ، فكيف يجعل الوجود مشروطا به ، وتعلّق كلّ واحد من الأمرين بالآخر ؟ وفساد ذلك ظاهر .
هامش
( 1 ) . في الأصل : به هذا .
( 2 ) . في الأصل : الإرادة .
( 3 ) . في الأصل : الإرادة .
( 4 ) . في الأصل : ان .