فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون / 18 / القديم تعالى فيما لم يزل على صفة المدرك ، وإن كان تعلّق هذه الصفة تتجدّد عند وجود المدركات ، كما تقولونه في تعلّق القادر ، فإنّ القديم تعالى لا يخرج - لعدم مقدوره - من صفة القادر وإن زال التعلّق ؟
قلنا : الذي يفسد ما ذكرتموه ، إنّ أحدنا مع كونه حيّا لا آفة به يتجدّد كونه مدركا إذا وجد المدرك ، والذي يدلّ على تجدّده له ، أنّ هذه الصفة ممّا يجده الحيّ من نفسه ، فلو كانت حاصلة له غير وجود المدرك وغير متجدّدة ، لوجب أن يجدها من نفسه كما يجدها عند حصول المدرك ، وقد علمنا من أنفسنا خلاف ذلك ، وإذا ثبت أنّ هذه الصفة فينا متجدّدة عند وجود المدرك ثبت أنّها في القديم كذلك ؛ لأنّ الشرط الذي أثبتناه من وجود المدرك واجب من أجل الصفة التي يدرك الذات عليها ، [ ف ] لا بدّ أن تكون مشروطة بالوجود ، فوجب اعتبار هذا الشرط في كلّ مدرك .
فصل في الدلالة على أنّ اللّه تعالى موجود
قد ثبت أنّه تعالى قادر وللقادر تعلّق بالمقدور بدلالة صحّة وجوده من جهته دون غيره ، والعدم يحيل التعلّق ما يتعلّق بغيره ، إذا كان إنّما يتعلّق به لنفسه .
والدليل على ذلك : إنّ الإرادة إذا عدمت ، خرجت من تعلّقها بما كانت تتعلّق به وهي موجودة ، والمؤثر في خروجها هو العدم ، وهذه الجملة لا تتمّ إلّا بأن يدلّ على أشياء :
أوّلها : إنّ الإرادة لها تعلّق بالمراد .
وثانيها : إنّها عند العدم تخرج من التعلّق .
وثالثها : إنّ المؤثر في خروجها عدمنا دون غيره .
ورابعها : إن حكم كلّ شيء تعلّق بغيره لنفسه ، حكمنا في أنّ العدم يحيل تعلّقه .
والدليل على أنّ الإرادة متعلّقة ، إنّا وجدنا المرادات على سبيل التفصيل تنحصر ، فلا يصحّ أن يريد المراد بأن لا يتناهى متّصلا ، فلو لا تعلّق الإرادة وإنّها لا يتناول أكثر من مراد واحد على سبيل التفصيل ، لم يجب ذلك ، فلم يبق لأحد أن يقول : إنّما انحصرت المرادات