تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
هذا الكلام متناقضا من حيث تضمّن النفي والإثبات . ألا ترى إنّهم لا يقولون : « سمعت كذا فلم أدركه ولا أبصرته » فلم أدركه لما كان السامع والمبصر هو المدرك ، ونظير ما ذكرناه « نظرت إلى كذا فلم أره » في أنّ النظر غير الرؤية ، فكيف يكون الشمّ والذوق اسمين للإدراك ؟ وهما يوصف بهما الأجسام التي لا يصحّ إدراكها بحاسّة الشمّ والذوق ، [ و ] الإدراك المختصّ بهما . ألا ترى أنّهم لا يمتنعون في أن يقولوا : « ذقت العسل ، وشممت الريحان » فيجرون الوصف على نفس الأجسام ؟ فدلّ ذلك على أنّ المعنى ما ذكرناه . فإن قيل : فهلّا وصفتموه تعالى إنّه آلم وملتذّ من حيث إدراك اللذّة والألم ، وألّا وصفتموه أيضا بأنّه يحسّ ؟ قلنا : فليس هو « 1 » المدرك للألم فقط ، بل هو المدرك له مع نفور نفسه ، وكذلك الملتذّ هو المدرك للذّة مع شهوته لها . ألا ترى أنّ التقطيع الذي يحصل في جسم الحيّ قد يدركه تارة وهو نافر عنه فيكون ألما ، ويدركه أخرى وهو مشبه له ، كالجرب الذي يلتذّ بالحك ، فيكون ملتذّا به ، وإذا كان القديم تعالى لا يجوز عليه الشهوة والنفار ، لم يجز أن يكون آلما ولا ملتذّا ، وإن كان مدركا لسائر المدركات . فأمّا المحسّ فهو المدرك بالحاسّة ، والقديم تعالى مدرك بغير حاسة ، وقد كان أبو علي « 2 » يجيب عن هذا بأن يقول : الاحساس هو أوّل العلم الذي يحصل فينا بالمدركات ، وإذا كان كونه تعالى عالما ، ليس بمتجدّد ، لم يوصف بأنّه محسّ ، وكلّ ذلك بيّن .
هامش
( 1 ) . في الأصل : هذا . ( 2 ) . هو أبو علي محمّد بن عبد الوهاب الجبّائي ( 235 - 330 ه ) ونسبته إلى جبّا بلد أو كورة من أعمال خوزستان وهي في طرف من البصرة والأهواز بالقرب من نهر دجيل أسفل الأهواز . من عمد المعتزلة وأركانها ومنظّريها ومن أعلام المتكلّمين في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، وصف بالنبوغ والنباهة وسرعة الجواب والقدرة على الجدل ، تلمّذ على أبي يعقوب الشحّام ولقي غيره من متكلّمي زمانه ، كان غزير الانتاج قال أبو الحسين البصري « وكان أصحابنا يقولون إنّهم حرّروا ما أملاه أبو علي فوجدوه مائة ألف وخمسين ألف ورقة » ونسب ابن النديم له سبعين كتابا منها : تفسير القرآن . كتابا في الردّ على أهل النجوم ، كتاب اللطيف ، كتاب الأصل ، الردّ على الأشعري في الرواية . وقد انتشرت آرائه في كتب المعتزلة وغيرهم من الأشاعرة الذين تصدّوا للردّ عليه . توفّى في العسكر ودفنه ابنه أبو هاشم في جبّاء .