تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
الأخرى ، وليس هذا في كونه حيّا وسميعا وبصيرا ، على أنّ الوجود قد يحصل في غير الجوهر ولا يكون متحيّزا ، فعلم بذلك إبطال الصفتين . وليس يمكن وجود حيّ لا آفة به من غير أن يكون سميعا بصيرا . وأيضا : فإنّه لو كانت له حال زائدة ، لجاز أن يعلمه سميعا بصيرا من لا يعلمه حيّا لا آفة به أو يعلمه حيّا لا آفة به من لا يعلمه سميعا بصيرا ، فلمّا فسد ذلك صحّ ما ذكرناه . فإن قيل : أليس أحدنا قد يكون وإن لم يكن سميعا ، فكيف تدّعون أنّ المقتضي لكونه على هاتين الصفتين هو كونه حيّا ؟ قلنا : قد ذكرنا فيما اعتبرناه انتفاء الآفة ، احترازا ذكرته ؛ لأنّ أهل اللغة إنّما وضعوا هذه العبارة بمن صحّ ، وهو على ما هو عليه أن يدرك المسموعات والمبصرات إذا وجدت ، فلا يحدّون الضرير بأنّه بصير « 1 » ، والأصمّ بأنّه بصير ، والأصمّ بأنّه سميع « 2 » ، وبأنّهما وإن كانا حيّين فلا يصحّ أن يدركا المسموعات والمبصرات إذا وجدت وهما على ما كانا عليه . فأمّا القديم تعالى ، فإنّه يوصف في كلّ حال بأنّه سميع بصير ، من حيث كان في كلّ حال حيّا ، وليس هو تعالى ممّن يدرك بآلة أو حاسّة فيعتبر فيه صحّتها وانتفاء الآفة عنها ، فيكفي في استحقاق الوصف بأنّه سميع بصير كونه حيّا ، ولهذا نقول : إنّه تعالى فيما لم يزل سميع بصير ، ولا نقول : إنّه فيما لم يزل سامع أو مبصر ؛ لأنّ الوصف بأنّه سامع ومبصر يقتضي وجود المسموع والمبصر ؛ لأنّه يفيد الإدراك له ، والإدراك لا يتناول إلّا الموجود ، وليس كذلك قولنا سميع وبصير . فإن قيل : فإذا وصفتموه تعالى بأنّه سامع ومبصر من حيث كان مدركا للأصوات والمرئيات ، فإنّه وصفتموه تعالى بأنّه شامّ من حيث كان إدراك الروائح ، وذائق من حيث إدراك الطعوم ! قلنا : الفرق بين الأمرين واضح ؛ لأنّ الشمّ والذوق ليسا باسمين للإدراك « 3 » ، وإنّما الشامّ هي المقرّب للجسم المشموم إلى حاسّة شمّه ، والذائق وهو المقرّب للجسم المذوق إلى حاسة ذوقه على جهة المماسّة ، والذي يدلّ على ما ذكرناه إنّهم يقولون : « شممت كذا فلم أجد له ريحا ، وذقته فلم أجد له طعما » فلو كان الشمّ والذوق هما الإدراك بعينه ، لكان
هامش
( 1 ) . في الأصل : + والأصم بأنه بصير . ( 2 ) . في الأصل : + الأصم . ( 3 ) . في الأصل : الادراك .