أنّه لو كان أحدنا محدثا وجوهرا مؤلّفا ، لما صحّ كونه مدركا ؟ وفي فقد ما ذكرناه أو بعضه إخلال بإدراكه ، وإن لم يكن لشيء ممّا عدّدناه تأثيرا في اقتضاء هذه الصفة - وكذلك القادر منّا بمحلّ [ مع ] عدم الآلة - وإفسادها بكثير من أفعاله ، فإنّه « 1 » لم يكن لوجود الآلات ولا لصفاتها تأثير في صحّة الفعل ، بل المصحّح [ ل ] ذلك كونه قادرا .
فأمّا وجه حاجة أحدنا إلى صحّة الحواسّ في الإدراك ، من حيث كان لا لحياة تحلّ أبعاضه ، وللحياة تأثير في وقوع الإدراك يحلّ ويستعمل محلّها في الإدراك ، ويصير كأنّه آلة فيه ، وليس يمتنع في الآلات أن تختلف صفاتها ، ويحتاج فيها إلى أن يكون على بعض الوجوه ، ويجري أحدنا في الحاجة في الإدراك إلى الآلة من حيث كان حيّا بحياة مجراه في حاجته في بعض الأحوال ، كالكتابة وغيرها إلى آلات مخصوصة ، من حيث كان قادرا بقدرة ، فإن كان المقتضي لكونه مدركا هو كونه حيّا [ كان ] المقتضي لصحّة الفعل كونه قادرا ، وإن يرجع الافتقار إلى الحواسّ والآلات إلى معنى يخصّه ، فكما أنّ القديم تعالى يستغني في جميع الأفعال عن الآلات من حيث كونه قادرا لنفسه ، فكذلك يجب أن يستغني في إدراك جميع المدركات عن الحواسّ من حيث كان حيّا لنفسه .
فأمّا الذي يدلّ على وجوب كونه تعالى مدركا عند وجود المدركات ، فهو إنّا قدّمنا أنّ كون الحيّ حيّا هو المقتضي لهذه الصفة ، وما يقتضي من الصفات غيره « 2 » لا يقع فيه اختصاص ، بل حيث وجد ، ولا يكون إلّا مقتضيا ، ووجوده في بعض المواضع غير مقتض ، لخروجه « 3 » من أن يكون مقتضيا في حال من الأحوال ، كما أنّ وجود الدلالة / 17 / مع ارتفاع المدلول إخراج لها من أن تكون دلالة .
وإذا كان المقتضي حاصلا ، والشرط الذي لا بدّ منه وهو وجود المدرك ثابتا ، فلا بدّ من كونه مدركا ؛ لأنّ ما عدا هذا الشرط لا يتأتّى فيه .
فإن قيل : إذا جاز أن يختلف الشروط في المدركين ، فلم لا يجوز أن يختلف ؛ لأنّها غير مؤثّرة والمقتضي لا يجوز اختلافه لتأثيره ؟
قيل : فلم تجوزوا أن يكون تعالى مدركا للمعدوم ، وأن يكون وجود المدرك شرطا منها
هامش
( 1 ) . في الأصل : فان .
( 2 ) . في الأصل : غير .
( 3 ) . في الأصل : خرجه .