حيث كان يجب على « 1 » هذا القول أن يكون على صفتين متضادّين ؛ لأنّه كان يجب أيضا أن يكون مدركا وإن لم يكن حيّا ، [ و ] لا يجوز أن يكون كذلك لوجود معنى هو إدراك ؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ المدرك لا يدرك بإدراك ، ولأنّه كان يجب أن يصحّ كونه مدركا للمحجوب والبعيد والدقيق ؛ لأنّ عينه محتملة لذلك المعنى ، ولا يجوز أن يكون المقتضى لذلك ارتفاع الآفات والموانع ؛ لأنّه يرجع ذلك إلى النفي ، والنفي لا اختصاص له بهذه الذات دون غيرها ، والصفة المختصّة ببعض الذات لا بدّ من إثبات مقتض لها يختصّ بتلك الذات ، فأمّا صحّة الحاسّة بها إلى معان يختصّ المحلّ كالتأليف وما يجري مجراه ممّا لا يتعدّى حكمه محلّه ، وقد بيّنّا أنّ ما يرجع إلى الجملة من الصفات لا يجوز أن يقتضيه إلى ما يرجع إليها ، دون ما يرجع إلى المحلّ الذي هو في حكم الغير لها ، وإذا بطل ذلك ثبت أنّ المقتضي لهذه الصفة كون الحيّ حيّا بالشروط التي ذكرنا .
ويدلّ على ذلك أنّا وجدنا كلّ ما يدخل الحيّ يصحّ الإدراك به ، وما يخرج من جملته لا يصحّ الإدراك به ، ولا وجه لاستحالة الإدراك به ، والآخر وجه من جملة الحيّ ، كما لا وجه لصحّة ذلك إلّا دخوله في جملته [ حتى ] يصحّ الإدراك به .
فإن قيل : لم قلتم : إنّ العضو يصحّ الإدراك به لما ادّعيتم ؟
قلنا : لأنّا قد علمنا أنّ الحي منّا مدرك « 2 » لكلّ عضو فيه حياة متّصل ، فلا يخلو من أن يكون إنّما صحّ إدراكه به من حيث كان متّصلا ، أو لأنّ فيه حياة يرجع إليه ، [ ف ] يرجع إلى معنى ما قلناه [ من ] أنّ المذكور دخلت من جملة الحيّ من غير أن يكون فيها حياة يصحّ إدراكه بها ، وكذلك الآخر لو كان يصير في حكم الجملة الواحدة بحياة واحدة يوجد في بعضها لكان يدرك بسائر أبعاضه ، وإن لم يكن في كلّ جزء حياة .
فإن قيل : إذا كان كونه حيّا هو المقتضي لكونه مدركا ، فلم افتقر أحدنا إلى صحّة الحواس في الإدراك ، ولم إذا فسدت حواسّه أخلّ فسادها بإدراكه ؟
[ أمّا ] الأوّل : على أنّ لصحّة الحواسّ تأثيرا في اقتضاء هذه الصفة .
قلنا : ليس كلّ ما لا تحصل الصفة إلّا معه فيما بيّنّا يجب أن يكون المقتضي بها . ألا ترى
هامش
( 1 ) . في الأصل : على .
( 2 ) . في الأصل : يدرك .