أحدنا قد يتزايد أحواله في هذه الصفة ويتناقص ، وكذلك قد تزيد بعض أحوال القادرين فيها على بعض .
وأيضا : فلو كان الإدراك يصحّ من الجهة لكونها قادرة ، لوجب أن تكون القدر متماثلة من حيث وقع بها الإدراك ومختلفة لتغاير المتعلّق ، وكان أيضا يجب أن يصحّ الفعل بكلّ عضو صحّ به الإدراك ؛ لأنّ ذلك واجب إذا ، كان المرجع في المقتضي إلى أمر واحد ، وقد علمنا أنّ شحمة الأذن يصحّ بها الإدراك ؛ لأنّا نفرّق بين ما فيها من الحارّ والبارد ، ولا يصحّ أن يبتدي الفعل بهما ، فلو كان ما به يدرك هو الذي به يقدر ، لكان ابتدأ الفعل على هذا الوجه بها واجبا .
وليس يجوز أن يكون المقتضى لكونه مدركا كونه عالما ؛ لأنّه قد أدرك مع السهو وفي كثير من الأحوال فقد العلم ، ولا يجوز أن يرجع كونه مدركا إلى كونه مريدا وكارها ومعتقدا ، أو نافرا ومشتيها لما ذكرناه في كونه قادرا ، وكلّ ذلك ممّا فعل الشبهة فيه وإن حصلت فيما تقدّم .
وإذا ثبت أنّه لا بدّ لهذه الصفة من مقتض « 1 » غير ما ذكرناه ، فتلك الصفة الزائدة على ما عدّدناه من الصفات هي التي سمّى من كان عليها حيّا .
وإذا ثبتت الصفة وعرفت ، فالذي يدلّ على أنّ القديم تعالى يخصّ بها ، كونه عالما قادرا ، وقد دلّلنا على أنّ كون الحيّ حيّا هو المصحّح لكونه عالما قادرا بما ذكرناه من حالّ إليه ، وأنّ بخروجها من جملة الحيّ يخرج من جملة العالم القادر .
فإن قيل : أيصحّ الاستدلال على كون الذات حيّة ، بكونه عاجزة وجاهلة ، كما يصحّ أن يستدلّوا على ذلك بكونها قادرة عالمة ؟ فإن أثبتّم ذلك فما الفرق بين الأمرين في صحّة الاستدلال ، وأنتم تعلمون أنّ العاجز الجاهل لا بدّ أن يكون حيّا ، كما أنّ القادر العالم لا بدّ أن يكون حيّا ، وإن أجبتم إلى صحّة الاستدلال في الجمع « 2 » ، فلم حدّدتم الحيّ بأنّه من يصحّ أن يقدر ويعلم ، دون أن تقولوا من يصحّ أن يعجز ويسهل ؟
قلنا : أوّل ما تقولوا إنّ الذي يدلّ على كون الموصوف بصفة من الصفات ، لا بدّ من أن
هامش
( 1 ) . في الأصل : مقتضى .
( 2 ) . في الأصل : فالجمع .