فصل في الدلالة على أنّ اللّه تعالى مدرك للمدركات ، سميع بصير « 1 »
اعلم « 2 » أنّ هذا الكتاب لا يتمّ العلم به إلّا بعد أمور :
منها : الدلالة على إثبات كون الزائد منّا مدركا ، وأنّ له بكونه مدركا حالا مخالفة للحال التي يجب له بكونه قادرا وعالما ، وسائر أحوال الحيّ .
ومنها : إنّ المقتضى لهذا الحال كونه حيّا دون سائر الأحوال ، وأنّه لا يدخل له في اقتضاء ذلك الحواسّ وصفاتها .
ومنها : إثباته تعالى على هذه الحال ، وبيان المراد بقولنا : إنّه سميع بصير ، والدلالة على
هامش
( 1 ) . في الهامش : في إثبات الإدراك .
( 2 ) . يطرح المصنّف في هذا الفصل مسألة مثيرة للجدل عند المتكلّمين وهي مسألة الأحوال الداخلة ضمن مسألة صفات اللّه تعالى وكيفيّة قيامها بها ، ومن أشهر المتكلّمين الذين تحدّثوا عن هذه المسألة أبو هاشم الجبّائي ، ومعروف من مذهب الاعتزال أنّهم ينفون جميع الصفات الأزلية تحاشيا عن الوقوع في تعدّد القدماء ، ويقولون بأنّ صفات اللّه تعالى عين ذاته ، وأنّه تعالى عالم بعلم ، إلّا أنّ علمه هو نفسه ، وقادرة بقدرة هي نفسه ، أي أنّ نفس الباري - عزّ وجلّ - علّة لكونه عالما وقادرا وسميعا وبصيرا و . . . ، وقد صرّح بهذا أبو الهذيل العلّاف وأبو علي الجبّائي ، لكن خالفهما أبو هاشم ، وزعم أنّ اللّه عالم لكونه على حال ، وقادر لكونه على حال ، وأنّ له تعالى في كلّ معلوم حالا مخصوصا ، وفي كلّ مقدور حالا مخصوصا ، وزعم أنّ الأحوال لا موجودة ولا معلولة ولا أشياء . وقد شرح عبد الكريم الشهرستاني ( المتوفى سنة 548 ه ) في كتابه الملل والنحل مذهب الأحوال فقال وهو يتحدّث عن اختلاف الجبّائي الأب مع ابنه أبي هاشم : « أمّا في صفات الباري تعالى فقال الجبّائي : عالم لذاته ، قادر حيّ لذاته ، ومعنى قوله « لذاته » أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي حال علم أو حال يوجب كونه عالما . وعند أبي هاشم « هو عالم لذاته » بمعنى أنّه « ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا » وإنّما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها . فأثبت أحوالا هي صفات لا معلومة ولا مجهولة ، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات . قال : والعقل يدرك فرقا ضروريّا بين معرفة الشيء مطلقا وبين معرفته على صفته ، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما ، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيّزا قابلا للعرض ، ولا شك أنّ الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية وافتراقها في قضية ، وبالضرورة نعلم أنّ ما اشتركت فيه غير ما افترقت به ، وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل وهي لا ترجع إلى الذات ولا إلى أعراض وراء الذات ، فإنّه يؤدّي إلى قيام العرض بالعرض ، فتعيّن بالضرورة أنّه أحوال ، فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا ، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات ، وكذلك كونه قادرا حيّا ، ثمّ أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال .
وخالفه والده وسائر منكري الأحوال وردّوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس ( الملل والنحل :
ج 1 / 101 - 104 ، نهاية الاقدام في علم الكلام : القاعدة السادسة ص : 130 - 149 ) أمّا الشريف المرتضى فهو يؤيّد مذهب أبي هاشم الجبّائي في إثبات الأحوال ويقول : « . . . فأمّا القديم فإنّه يوصف في كلّ حال بأنّه سميع ، بصير من حيث كان في كلّ حال حيّا . . . » .