معروف ، لأنه كان ربما يعدل عن القتل والقتال عند ضرب من الاحتياط في الدين ، وإن كان القتل أقرب إلى حسم ما يخاف من الفتنة ، والمحكى عنه عليه السلام أنه كان لا يبدأهم بقتال ولا يحاربهم بل يتأنى بهم ، فلما كان يوم صفّين أنظرهم وجرى معهم على طريقته ؛ ثم نادى في أهل الشام : قد توقفت لتراجعوا الحق وتنيبوا إلى اللّه ، واحتججت بكتاب اللّه ودعوتهم إليه فلم يتناهوا ، ألا وإني قد نبذت إليكم إلى سواء
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ »
.
ثم تقدم بالاستعداد للمحاربة وأمر أصحابه بألا يقدموا إقدام من يريد الحرب ولا يتأخروا تأخر من يظهر عليه العجز ، وقال لهم : لا تحملنكم القوة والشباب على الإقدام قبل الإعداد لتعلموا أن المراد اتباع حكم اللّه واضحا به الحق . فلما دفع إلى المحاربة قال لهم : عباد اللّه ، اتقوا اللّه وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلّوا الكلام ووطنوا نفوسكم على المنازعة واذكروا اللّه واصبروا إن اللّه يحب الصابرين . ثم قال :
( اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وعظّم لهم الأجر ) ، فهذه الطريقة من سياسته تدل على ما قلناه من أنه كان يحارب القوم على سبيل دفع الضرر عن الدين والدنيا ومنعهم من الفساد والفتنة دون اتباع الهوى والشهوة ، وطلب الدنيا وأعراضها والتماس شفاء الغيظ ، بل كانت هذه طريقة معاوية وأصحابه ، لأنهم كانوا مع البصيرة بأن لا حق لهم في هذا الأمر ، يتطلبون ضروب الخديعة والمكر ، ويتوصلون إلى ما ذكرناه من شفاء الغيظ واتباع الهوى ، فكانوا بين رجلين : أحدهما سبيله ما ذكرناه ممن كانوا يعرفون معاوية وأنه ليس بأهل لهذا الأمر ، وأن الواجب / عليه الانقياد لأمير المؤمنين عليه السلام . فهذه طريقة كبارهم ؛ وبين رجل من طغام أهل الشام جاهل بالأمر لا يعرف ما الّذي يقدم عليه ضرورة كالإله « 1 » لهم .
وقد روى ما يدل على ذلك ، وهو أن غلاما من أهل الشام قاتل قتالا شديدا فقال له بعض أصحاب عليّ عليه السلام : يا فتى ، هل أهمك أمر هذا الدين ؟ قال :
هامش
( 1 ) في العبارة تحريف ظاهر .