وقد قال شيخنا أبو عليّ : إن أكثر المروى عن النبي صلى اللّه عليه في بشارة طلحة والزبير بالجنة يدل على توبتهما ، لأنه لا يجوز أن يريد أنهم من أهل الجنة في الحال ، لأن من يستحقّ الجنة لا يقال إنه في الجنة ، كذلك إذا كان المعلوم أنه يصير إلى النار لا إلى الجنة ، لأن الخبر يكون كذبا من حيث يكون في وقت الخبر في الدنيا وفي آخر الأمر في النار ، فلا يحصل وقت يكون فيه في الجنة ، فلا بد من أن تحمل البشارة / على العاقبة ، فلو لم يتوبا مما فعلاه لم يصح ذلك . قال : والخبر الوارد في ذلك مما لا اختلاف بين أهل الرواية فيه ، فلا فرق بين من أنكر ذلك فيهم ، وبين من أنكره في أبى بكر وعمر ، وفي ذلك إبطال البشارة .
وروى أيضا أن الزبير حيث ولى بيعة عمار بن ياسر حتى لحقه فعرض عمار وجه فرس الزبير بالرمح ؛ فقال : إلى أين أبا عبد اللّه ؟ فو اللّه ما أنت بجبان ، ولكني أراك شككت ؛ فقال : هو ذاك أيها الرجل ؛ فقال عمار : يغفر اللّه لك .
وروى وهب بن جرير قال : قال رجل من أهل البصرة لطلحة والزبير : إن لكما صحبة وفضلا فأخبراني عن مسير كما هذا وقتالكما ، أشيء أمركما به النبي صلى اللّه عليه ، أم رأى رأيتماه ؟ . فأما طلحة فسكت وجعل ينكث الأرض ؛ وأما الزبير فقال :
ويحك ! خبرنا أن هاهنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها . وأما توبة عائشة فمشهورة ، لأن عمرها امتد بعد الصنيع الّذي كان منها ، وتواتر عنها ما كانت تذكره من الندامة حالا بعد حال ، فروى عن عمار أنه جاءها فقال : سبحان اللّه ! ما أبعد هذا من الأمر الّذي عهد إليك ، أمرك أن تقرى في بيتك ؛ فقالت : من هذا ؟ أبو اليقظان ؟ فقال : نعم ؛ فقالت : أما واللّه ما علمت إلا أنك لقوال بالحق ؛ فقال : الحمد للّه الّذي قضى لي على لسانك . والمشهور عن عمار أنه خطب بالكوفة عند الاستنفار فذكر عائشة فقال : أما إنها زوجته في الدنيا والآخرة ، ولكن اللّه تعالى ابتلاكم بها لتبتغوه وإياها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 89
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٩