ذلك يبين أن الواجب علينا أن نعتقد عند الخبر من حالهما ما كان يجب عليه أن يعتقد عند خبر الثقات ، ولا يمكن أن يعتبر في ذلك الشهادة ، لأنه ليس من باب الحقوق فيعتبر فيها العدد فالواجب أن يرجع إلى خبر الثقات قلّوا أم كثروا ، كما نقوله في أخبار الآحاد الواردة فيما طريقه غالب الظن ، وحل هذا الباب محل الاملاك التي لما كان الأصل فيها الأمارات وجب أن ترجع فيه إلى الأخبار ، وكذلك القول في الأسباب .
وهذه الطريقة واجبة في كل شيء لا طريق للعلم به ، وإن كان يختلف ففيه ما يكون في الحقوق المختلفة فيتعلق بالشهادات ، ومنه ما يعتبر فيه الأخبار فقط ، فإذا صحت هذه الجملة لم يبق إلا أن نبين بالأخبار توبة القوم ، فإن صح في الخبر طريقة الاشتهار والتواتر فهو أقوى في بابه ، وإن لم يتم وجب أيضا إذا كان من خبر الثقات أن يعمل به . وقد ظهرت من أمارات توبة الزبير ما يقطع به ، لأن الخبر متواتر بأنه فارق القوم / وخرج عن جملتهم بعد ما جرت له من المخاطبات ، وبعد ما تحمل العار الّذي أضافوه إليه من الجبن والجزع ، وصح أيضا بالتواتر سبب ذلك ، وهو موافقة أمير المؤمنين له على الخبر الّذي سمعه من الرسول عليه السلام أنه يقاتله وهو ظالم له .
وروى عنه أنه عند مفارقة القوم وخروجه ومسيره إلى ناحية المدينة أنشد هذين البيتين :
ترك الأمور التي يخشى عواقبها * للّه أسلم في الدّنيا وفي الدّين
اخترت عارا على نار مؤجّجة * أنى يقوم لها خلق من الطين
ويروى عنه أنه قال عند نزول عليّ البصرة ؛ أنه قال : واللّه ما كان أمر قطّ إلا عرفت أين أضع قدمي فيه إلا هذا الأمر فإني لا أدرى ، أمقبل أنا فيه أم مدبر ؟
قال له ابنه : لا ولكنّك خشيت رايات ابن أبي طالب ورأيت أن الموت الناقع تحتها . فقال له الزبير : مالك أخزاك اللّه ! وذكر عن ابن عباس أن عليّا بعثه إلى الزبير يوم الجمل فقال له : أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك : ألم تبايعني طائعا