فصل في بيان توبة طلحة والزبير وعائشة وغيرهم وما يتصل بذلك
قد صح بما قدمناه أن الّذي أقدموا عليه عظيم فلا بد من بيان توبتهم لأنا قد تعبدنا فيهم بالمدح والتعظيم . وهذا فائدة بيان توبتهم ؛ وفائدة أخرى ، وهي أن في بيان توبتهم إبطال قول من وقف فيهم وفي أمير المؤمنين ، لأن توبتهم تدلّ على كونه محقّا وكونهم مبطلين ، وفيه إبطال قول من يقول : إنه عليه السلام لم يكن مصيبا في محاربتهم لما قدمناه ، وفيه تحقيق ما روى من خبر البشارة للعشرة بالجنة ، وما روى في عائشة وغيرها من أنهم أزواجه عليه السلام في الجنة ، وفيه بيان زوال الخلاف في إمامة أمير المؤمنين ، لأن من يذكر بالخلاف ممن يعتد به إذا صحت التوبة عنه فقد صح طريقه « 1 » الإجماع ، فليس لأحد أن يقول : ما الفائدة في ذكر ذلك في هذا الموضع ؟
واعلم أن طريق معرفة التوبة لا يكون إلا غالب الظن ، ولا يعلم صحتها من أحد إلا بالسمع ، لأنها وإن علمت فلا يصح أن نعلم شروطها على وجه يصح عليه ، ولا يعلم هل تناولت كل ذنوبه أم البعض ؟ وهل تناولت على الوجه الّذي يصح عليه أم لا ؟ لأن ذلك مما يلطف فلا يعرفه الإنسان من غيره ، وإن جاز أن يعرفه من نفسه . وقد ثبت أن أحدنا وإن شاهد من غيره إظهار التوبة واضطر من جهته إلى الندم فليس يقطع على أنه في الحقيقة تائب ، وعلى أنه قد أزال العقاب ، فلو لم يحكم بتوبة أحد إلا مع العلم لما عرفنا أحدا تائبا من جهة العقل والعادة ، ولما صح أن نزيل الذم عنهم إلى المدح ، وفساد ذلك يبين أنها في هذا الوجه بمنزلة / الطاعات والواجبات التي طريق المدح فيها غالب الظن من حيث لا يقطع على وقوعها على وجه يستحق به الثواب إلا من جهة السمع .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل