تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فكيف يجوز مثل ذلك في عثمان ؟ وقد روى أنه دفن في تلك الليلة ؛ وهو الأولى في هذا الباب . فأما تعلقهم بأن الصحابة لم تنكر على القوم ولا دفعت عنه ولا أنكروا قتله إلى غير ذلك ، فقد بيّنا ما يسقط كل ذلك بوجوه كثيرة لا وجه لإعادتها ، وبيّنا أن الصحيح عن أمير المؤمنين تبرؤه من قتل عثمان ولعنه قتلة عثمان في البر والبحر على ما رويناه من قبل ، وإنما كان يجرى من حبسه هذا القول على وجه المجاز ، لأنا نعلم أن جميع من كان يقول : نحن قتلناه لم يقتله ، لأن في الخبر أن العدد الكثير كانوا يصرحون بذلك . / والذين دخلوا عليهم فقتلوه هم نفسان أو ثلاثة ، وإنما كانوا يريدون بهذا القول : أحسبوا أنا قتلناه ، فما لكم وهذا الكلام ! لأن الإمام هو الّذي يقوم بأمر القود وليس للخارج عليه أن يطالب بذلك ، ولم يكن لأمير المؤمنين أن يقتل قتلته لو عرفهم ببينة أو إقرار ، وميزهم من غيرهم إلّا عند مطالبة ولى الدم ، فأما على جهة الابتداء فلم يكن له ذلك . والذين كانوا أولياء الدم لم يكونوا يطالبونه ، ولا كانت صفتهم صفة من يطالب ، لأنهم كانوا أو بعضهم يدّعون أن عليا ليس بإمام ، ولا يحلّ لولىّ الدم مع هذا الاعتقاد أن يطالب بالقود ، فلذلك لم يقتلهم أمير المؤمنين ، هذا لو صحّ أنه كان يميزهم ، فكيف وذلك غير صحيح ! فأما ما روى عنه من قوله : اللّه قتله وأنا معه ، فإن صحّ فمعناه مستقيم ، فيريد به : اللّه تعالى أماته وسيميتنى وسائر العباد . فإن قال : وكيف يقول ذلك وعثمان مات مقتولا ! قيل له : إنه وإن قتل فالإماتة من فعل اللّه تعالى ويجوز أن يكون ما ناله من الجراحة لا يوجب انتفاء الحياة لا محالة ، فإذا مات صحت الإضافة على طريقة الحقيقة ، فعلى هذا الوجه يصحّ هذا القول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 57 | القاضي عبد الجبار الهمذاني