فإذا بكافة الأخبار لم يكن لهم في ذلك حجة ، ولو ثبت ذلك كان لا يمتنع أن يخرجه إلى الربذة لصلاح يرجع إلى الدين ، ولا يكون ظلما لأبى ذر ، وربما يكون إشفاقا عليه لئلا يلحقه من بعض أهل المدينة مكروه . فقد روى أنه كان يغلظ في القول ، ويخشن في الكلام ويقول : لم يبق أصحاب النبي عليه السلام على ما عهدهم وينفر عنهم ، فرأى أن إخراجه إصلاح لما يرجع إليه وإليهم وإلى الدين .
وروى أن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج لما خاف ناحيته .
/ قال أبو علي : وقد ندب اللّه تعالى إلى خفض الجناح للمؤمنين ، والقول اللين للكافرين ، وبيّن لرسوله أنه إذا استعمل الفظاظة انفضّوا من حوله ، فرأى عثمان خشونة كلام أبي ذر ، وما كان يورده مما يخشى فيه التنفير ، فأورده ما أورده ، فإن صحّ هذا الخبر فيجب أن يحمل على ما ذكرناه .
وقد روى عن زيد بن وهب قال : قلت لأبى ذرّ وهو بالربذة : ما أنزلك هذا المنزل ؟ قال : أخبرك أنى كنت بالشام فتذاكرت أنا ومعاوية هذه الآية :
( وَالَّذِينَ
« 1 »
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ )
. فقال معاوية : هذه في أهل الكتاب وقلت فيهم وفينا ، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك ، وكتب إلى أن أقدم عليّ . فقدمت عليه . وانثال الناس عليّ كأنهم لم يعرفونى ، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال : انزل أين شئت . وخيّرنى ، فنزلت الربذة . وكل ذلك يزيل القدح بما ذكروه .
فأما جمعه الناس على قراءة واحدة ، فقد ثبت أن ذلك من عظيم ما خص به القرآن لأنه مع هذا الصنيع قد وقع فيه من الاختلاف ما وقع ، فكيف لو لم يفعل ذلك ! وقد بينا ما يتصل بهذا الباب .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( إن الذين )