فإن قال : كل هؤلاء الذين ذكرتم قد بايعوا ، ورضوا في الثاني ، وإن كانوا قد تخلفوا في أول مرة
قيل له : هذا ضرب من المكابرة ، ولو ساغ هذا لساغ لمخالفك أن يدعى من الجهالات ما لا طاقة لك به . أليس لا يمكنك أن تروى عن واحد ممن عددنا أنه وقع منه البيعة وهو راض ؟ أليس سعد قد خرج من الدنيا ولم يبايع واحدا ؟
أليس من ادعى بتغيظ أمير المؤمنين عليه السلام والزبير ذكر أنهم كانوا ملجئين إلى ذلك محمولين عليه ، لأن الإمامية تقول : إن أمير المؤمنين عليه السلام أخذ ملببا « 1 » حتى أخذت يساره ؛ وضعت على يمين أبى بكر ، ومن نقل الآثار سواهم . / ذكر أن الّذي جرى بينهما هو أن أبا بكر قال له : كأنك تأبى ما اتفقت عليه المسلمون ، فقال : لا ، فرضى منه بذلك ، وادعى البيعة ، وقد علم أن هذا لا يكون بيعة . أليس قد روى محمد بن بشير العبدي عن عبيد اللّه بن عمر عن زيد بن أسلم ، أنه بويع أبو بكر بعد النبي صلى اللّه عليه ، فكان على والزبير والمقداد يدخلون على فاطمة عليها السلام ، ويتشاورون ويتراجعون في أمرهم . فلما بلغ ذلك عمر خرج حتى دخل عليها فقال :
يا ابنة رسول اللّه ، ما من الخلق أحب إلينا منك ، وأيم اللّه ما ذلك بما نعى إن اجتمع هذا النفر عندك ، أن آمر أن يهدم البيت عليهم . فلما خرج جاءوها ، فقالت : تعلمون أن عمر قد جاءني وحلف باللّه لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت ، وأيم اللّه ليمضين على ما حلف عليه . فإن قال : كل ذلك أخبار آحاد لا يقع العلم بها ، قيل له :
فهل مع ذلك يمكنك القطع على أنه لم يكن مما ذكرناه شيء ؟ فإن ادعى ذلك تجاهل ، لأنه لا شيء يحيل وقوع ما ذكرناه . فإذا جوز ما ذكرناه ، خرج من أن يكون عالما بما ادعاه من الإجماع فإن كل من روى عنه أنه لم يبايع .
فقد روى عنه أنه تولى من جهته ، فلو لا أنه قد رضى به ما كان يتولى من جهته قيل له : ليس الأمر كذلك ، لأنه لم يرو ذلك إلا من أقوام مخصوصين ،
هامش
( 1 ) كذا في الأصل