بأنهم قد رضوا به بما قال بعضهم ، لأنا متى جوّزنا أن يكون ما له ولأجله سكتوا عن النكير ، وعن ذكر الخلاف ، والرد على من قال بذلك الشيء هو أمر آخر سوى كونه حقا عندهم لم يسلم لنا العلم بأن القوم قد رضوا به وصار ذلك دينا لهم ، ولهذا لم يدل جلوس أمير المؤمنين صلى اللّه عليه في بيته ، وسكوت كبار الصحابة عما يجرى على عثمان ، على أنهم قد رضوا به لما كان هناك وجه آخر جاز أن يكون سكوتهم لأجله ، وهو قلة الأنصار لهم ، أن لو أظهروا الخلاف أو مخافة الفتنة والحرب ، واختلاف الكلمة ، وتشتيت الشمل ، وتسليط الأعداء عليهم ، وكل هذه الأمور مجوزة فيمن خالف معه أبى « 1 » بكر ولم يرض به ، فإن كان التمسك بالإجماع إنما هو من حيث لم يظهر الخلاف والنكير مما ذكرناه ، تخرج الطريقة من أن يعلم بها كون ذلك حقا ، وليس كذلك سائر ما أجمعوا عليه من الشرائع والأحكام ، لأنه قد علم من حالهم أنه لا مانع عن إظهار الخلاف فيها ، ولولا كون ذلك الشيء حقا لما سكتوا عنه ، فبان الفرق بين الموضعين .
فإن قال : لا مانع فيما ذكرته ، كما لا مانع في اتفاقهم على الأحكام ، لأن المعلوم من حال الصحابة بأن بعضهم ينكر على البعض فيما كان مخالف « 2 » فيه وكان بعضهم لا يتحاشى من مخالفة صاحبه ، خصوصا إذا كان الخلاف في واحد « 3 » واحدا .
قيل له : ما ذكرته من كلام ، لا يعرف الأخبار ، ولم ينظر فيما كان يجرى بين الصحابة في أمر الأمة وغيرها ؛ أليس المعلوم من حال عمر ومن بايع أبا بكر ، أنهم كانوا يحملون الناس على بيعته بل كانوا يغلظون القول له ، وينكرون على من يخالف ؟
أليس جرى بين عمر وبين سعد يوم السقيفة ما جرى ؟ أليس قال له : دعه فقيل : قاتله اللّه .
أليس قد قال : / هممت أن أطأ بطنه ، حتى روى أن ابنه أخذ بلحيته وقال : واللّه لو فعلته
هامش
( 1 ) كذا في الأصل
( 2 ) كذا في الأصل ، ولعله : يخالف
( 3 ) هذه العبارة مطموسة ، وغير بينة في الأصل