قيل له : قد بينا أن من هذا حاله ، إما أن يكون ملجأ إلى أن لا يفعل القبائح ، وإلى أن يفعل المحسنات ، أو يكون غنيا غير محتاج إلى شيء من القبيح . وعلى الوجهين جميعا يزول الوجه الّذي له يجب الطلب ، لأن الوجه في ذلك حصول الضرر والخوف والغم ، إن لم يطلب فيكون متحرزا بذلك من هذه الأمور ، إذا علمها وخافها دنيا ودينا ، وإذا لم يصح ذلك فيمن ليس بمكلف لم يلزمه الطلب .
فأما كون ذلك حسنا منه فغير ممتنع على ما تقدم ذكره فيما يتصل بالمنافع المعجلة ، وقد يجب ذلك من جهة السمع الانقطاع إلى اللّه ، ولكونه لطفا ومصلحة على ما بيناه فوجوبه على المكلف من هذين الوجهين ، وحسنه يتعلق بمن يعرف الطلب ، وإن لم يكن مكلفا على ما تقدم من شروطه ، فلا فرق في ذلك بين من يعلم أنه من أهل الثواب من الأنبياء وغيرهم ، وبين من لا يعلم / ذلك ، لأنهم يخافون ويحذرون من حيث يعلمون أن سبب وصولهم ذلك « 1 » إلى الثواب ، التمسك بالطاعة والانقطاع إلى اللّه تعالى ، والحذر والخوف فيهم ، فهم قائمون بما كان تعبدهم في ذلك أشد .
فأما فيما يتصل بأمور الدنيا ، فلا شبهة في أن حالهم وحال غيرهم يتفق ولا يختلف ، فإذا كانت النعم أجمع منه لم يجز عند الحاجة الشديدة أن لا يفزع المرء إلى اللّه تعالى ، الّذي من جهته تصل النعم إليه ، ويفزع إلى غيره ، ولهذه الجملة ورد السمع أن عند ذلك له أن يتناول طعام غيره رضى أم سخط ، ولو لم يلزمه الطلب من قبله تعالى لما حسن ذلك ، فكأنه جل وعز عند ذلك ينعم عليه ويتفضل بإزالة الضرر عنه على يد عباده .
فإن وقع منه الامتناع أباح له التناول على بعض الوجوه ، وإن كان يجب عليه تعالى - وقد اختص ، بأن أنزل به المضرة بالجوع وغيره - أن يزيل تلك المضرة ، إذا لم تكن مصلحة .
فواجب على من نزلت به أن يطلب إزالتها ، ولا يجوز أن يجب ذلك عليه إلا من جهة من يقدر على إزالتها ولا يجوز ، فعلى هذا الوجه ، يجرى القول في هذا الباب .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .