في الستة إذا اجتمعوا ، ثم جعله في الأربعة إذا اختلف الستة ، ومال الأكثر إلى واحد ، وجعل الحكم للأكثر منهم ، ثم بين أنهم إذا استووا ، فمال اثنان إلى واحد ، وآخران إلى واحد ، أن الامر للثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن . وكل ذلك متفق غير مختلف .
وإنما كان يتناقض لو كان هذا الصنع منه والحال واحدة ، فأما إذا كانت الأحوال مختلفة ، فذلك بعيد عن الاختلاف والتناقض .
وبعد فلو كان ذلك في حال واحدة ، ما كان يعد تناقضا ، بل كان كالرجوع ، وللإمام أن يرجع في مثل ذلك ؛ لأنه في حكم الوصية ، لكن الحال على ما قدمناه .
وقد قال شيخنا أبو علي : إن كل ذلك لو كان تناقضا لكان القوم أعرف ، ولذكروه / ولذمّوا فاعله ، ولما قبلوه .
فأما زعمهم أنه علم أن عليا وعثمان لا يجتمعان ، وأن ميل عبد الرحمن إلى عثمان ، فلذلك قال ما قال ، فقد بينا أن ذلك ظن من قائله ، والظاهر من الفعل خلافه على ما بيناه .
وقولهم : إنه كان يعلم ذلك ، قلة دين ؛ لأن الأمور المستقبلة لا تعلم ، وإنما تحصل فيها أمارة ، ولم يكن عنده من الأمارات ما يوجب ما قالوه ؛ لأنه لم يكن غالب أمرهم الحرص الشديد والمنافسة على الإمامة على وجه يقع فيه الاختلاف ، بل الغالب من حالهم طلب الاتفاق والائتلاف والاسترواح إلى قيام الغير بذلك .
وهذا ظاهر من أمير المؤمنين ، لأنه بعد قتل عثمان كان منه أيضا امتناع حتى خوطب في ذلك ، وهذا يمنع ما قالوه .
فأما أن عبد الرحمن لم يكن يختار إلا عثمان فأبعد ؛ لأنه لم يكن ذلك معروفا ، وإنما جعل عمر الأمر إليه عند الاختلاف لعلمه بزهده في الأمر ، وأنه لأجل ذلك أقرب إلى تثبت ؛ لأن لراغب عن الشيء ، يحصل له من التثبت ما لا يحصل للراغب فيه ؛
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤