ففصل بين الرخص ، والواجب بهذا اللفظ ، وبين أنه لا يمتنع على هذا الوجه أن يوصف تعالى بأنه عزم ، كما يقال ألزم وأوجب . فأما إذا أفيد به ما ذكرناه من الإرادة فلا شبهة أنه لا يستعمل فيه ، وهو الأصل في باب العزم ، وإنما شبه الإيجاب به ، لما كان المريد على طريقة العزم كالقاطع على أنه لا يفعل في المستقبل سواه ، فلذلك لا يجوز أن يطلق في صفاته تعالى .
فأما وصفنا للواحد منا بأنه ينوى الفعل ، فإنه يفيد مع الإرادة وجودها في ضميره وقلبه ، ولذلك ربما قيل إن هذا الشيء في نيتي ، كما يقال في ضميري .
فلما استحال ذلك على اللّه تعالى لم يوصف بهذه الصفة ، ولمثل ذلك لا يجوز وصفه بأنه مضمن « 1 » لأن ذلك يفيد حدوث الإرادة في القلب .
وقد بينا أن ذلك لا يجوز عليه سبحانه .
ويوصف تعالى بأنه كاره ، وقد ورد الكتاب بذلك في قوله :
« كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً »
،
« وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ »
. ولأنه قد صح أنه يفيد في الشاهد الحال التي يحصل عليها الكاره ، ويفارق بها سواه ولا يفيد أمرا واحدا ، فيجب أن يستعمل فيه تعالى ، إذا ثبت أنه كاره للمعاصي ، ولسائر ما نهى عنه .
وقد بينا من قبل أن الكراهة مخالفة للإرادة ، وأبطلنا قول من يقول إنها إرادة أن لا يكون الشيء ، أو إرادة كون ما لا يكون ، وأبطلنا قول من يقول : إنه يفيد كونه فاعلا للكراهة ، لأن القول في ذلك بمنزلة القول في مريد .
ويوصف بأنه ساخط لما نهى عنه من / المعاصي ، وهو في مقابلة راض ، فيجب أن لا يستعمل إلا في كل فعل يكون معصية عند الوجود ، فلذلك لا يوصف به إلا عند فعل غيره ، كما ذكرنا في الرضا .
وقد بينا الفصل بين قولنا إنه ساخط للفعل وساخط على الفاعل ، والخلاف في ذلك كالخلاف في باب الرضا ، والصحيح ما قاله شيخنا أبو هاشم ، وذلك مفسر
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .