في باب الإرادة على ما أظن ، وقد ذكرنا طرفا منه في هذا الباب .
فإن قيل : أفتصفون اللّه بأنه يغضب وبأنه غضبان على أعدائه ؟ قيل له « 1 » :
يوصف بذلك ، وقد ورد الكتاب بذكره ، لأن قوله :
« غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَعَنَهُمْ »
لا بد من أن يسبق منه غضبان ، إما من واحدة وإما من كبيرة ؛ وقوله تعالى :
« غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ »
لا بد من أن يكون مضافا إليه تعالى ، ولأنه قد ثبت في الشاهد أن أحدنا يوصف بأنه يغضب على غيره إذا أراد إنزال المضاربة ، وقد ثبت أنه تعالى أراد إنزال المضار بالكفار والفساق فيجب أن يوصف بذلك ، ولا يلتزم على ذلك ، إذا أراد الإمراض بالعباد ، أن يكون ذلك غضبا ، لأنها في الحقيقة ليست بمضار ، والّذي يوصف بذلك هو العقاب ، وما يجرى مجراه ، فلذلك لا يوصف بأنه يغضب إلا على من يستحق العقاب من قبله تعالى .
قال شيخنا أبو علي : ولا يفيد وصفنا لذلك تغيرا يلحق الغضبان ، ولا أن الغضب يحل فيه ، فلا يجوز أن يخص أحدنا بذلك دونه ، ولا يجوز أن يوصف بأنه مغتاظ ، كما يوصف أحدنا إذا غضب ، بذلك في بعض الأحوال ، لأن الغيظ تغيّر يلحق المغتاظ ، وقد يغضب على غيره ولا يكون مغتاظا عليه ، وقد يغتاظ على نفسه ، ومن فعل نفسه ، ولا يوصف بأنه يغضب على نفسه ، فلذلك لا يصح أن يوصف تعالى به . ولا يوصف بالحسرة والأسف ، لأن الحسرة تجرى مجرى الندم والغم ؛ لأنه لا يتحسر على نفع فائت ، أو يحزن من مضرة . / وكذلك القول في الأسف ؛ وبين أن قوله تعالى :
« فَلَمَّا آسَفُونا »
مجاز والمراد بذلك أغضبونا ، أو آسفوا رسلنا ، وقد بينا من قبل أن وصفه تعالى بأنه يأبى الأشياء وأنه آب لها ، صحيح ، وليس المراد به أنه كاره ، لأنهم قد مدحوا بذلك من يأبى الضيم والظلم على جهة الاقتدار فلا بد من أن يكون المراد بذلك المنع والامتناع على ما قدمنا
هامش
( 1 ) الأولى حذف « له » .