/ فصل « في بيان الصفات التي تجرى على اللّه سبحانه عند فعل الإرادة والكراهة ، لا على طريق الاشتقاق ، وما يتصل بذلك »
قد ألحق شيوخنا وصفه جل وعز بأنه مريد ، بصفات الأفعال ، وقطعوه على صفات الذات ، فبينوا فساد قولهم ، وألحقوه عند ذلك بصفات الأفعال ، وهذا مستقيم ، إذا كان الفضل ما ذكرناه . فأما إذا قيل : إنه مريد للإرادة ، على طريقة الاشتقاق حتى يحل محل وصفنا له بأنه محسن وعادل ، فيحمل على ما بيناه في باب الإرادة ، من أن المريد لم يكن مريدا لأنه فعل الإرادة ، بل كان مريدا لاختصاصه بحال فارق بها من ليس بمريد ، وأنه يجرى في هذا الوجه مجرى قادر وعالم ، وبينا أن حقائق هذه الأوصاف لا تختلف في الشاهد ولا في الغائب ، وبينا أنه لو أفاد وجود الإرادة لوجب مع الشك في الإرادة أن لا يعلم كونه مريدا ، ولوجب إذا دخلت الشبهة في إثبات الإرادة أن تكون شبهة في إثبات المريد ، وقد علمنا أن الواحد يعلم نفسه مريدا ضرورة ؛ وقد يعلم ذلك من غيره قبل أن يستدل ، فيعلم أن ذلك للإرادة ، وهذا يبطل كونه مشتقا من فعل الإرادة ، ولولا أن الدلالة دلت على أنه لا مريد إلا ويجب أن يكون مريدا للإرادة ، كان لا يجب ذلك في جميع المريدين ، لمكان الاسم ، وإنما وجب لمكان الدلالة .
فإن قيل : لو لم يفد وصفنا له بأنه مريد فعل الإرادة ، لوجب من هذا الفعل المخصوص أن لا يقع الاشتقاق لفاعله ، وذلك ممتنع في اللغة ، / قيل له « 1 » : الّذي يجب في ذلك أن يكون موقوفا على الدلالة ، لأنهم إنما يشتقون هذه الأوصاف بحسب الدلالة .
فإذا اعتقدوا وصفه بأنه مريد يغنى عن صفة أخرى مشتقة ، لم يمتنع أن يكفوا عن هذا الاختصاص .
هامش
( 1 ) الأولى حذف « له » .