ذلك على نفسه بقوله :
« السَّلامُ الْمُؤْمِنُ »
وإنما وصف نفسه بذلك لأن السلام من قبله ؛ وهذا كوصفه نفسه بأنه حق بقوله تعالى :
« بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ »
وأراد بذلك أن عبادته حق ، وأن عبادة غيره باطل ، وأنه تعالى هو الباقي المثيب المعاقب الضار النافع وأن ما يدعون من دونه لا يصح ذلك فيه ، فيجب أن يكون مجازا . وكذلك القول فيما روى في الدعاء : يا غياث المستغيثين ويا رجاء الآملين ، فهو مجاز فالمراد أن الرجاء والغوث من قبله فوصف بذلك وحقيقته أن الغيث والمرتجى والمسلم والعادل « 1 » .
فإن قيل : أفتصفون اللّه تعالى بأنه مؤمن على الحقيقة ؟ قيل له : نعم ، والمراد بذلك أنه أمن العباد من أن يضيع حق واحد منهم من ثواب وغيره ، وأن يعاقبوا بغير حق .
وقد بينا من قبل أن شيخنا أبا هاشم قد جوز أن يجرى ذلك عليه من حيث ثبت كونه مصدقا لأنبياء اللّه ورسله بالأدلة والخبر ، وشرحنا القول فيه فلا وجه لإعادته .
ويوصف بأنه مهيمن ، لأن المهيمن هو الأمين على الأشياء . وعلى هذا قال تعالى في وصف القرآن بأنه مهيمن بقوله
« مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ »
. قال : وإنما جعلت الهاء التي في مهيمن بدلا من الهمزة التي في الأمين عند أهل اللغة ، فيجب أن يكون حقيقة فيه تعالى . ويوصف تعالى بأنه طالب على ما يستعمله المؤمنون من الإيمان ، والمراد بذلك أنه يطلب من الظالم حق المظلوم أن لا يضيع حقه ، وقد بينا ذلك في باب العرض وأنه تعالى ينتصف من المظلوم للظالم وذلك حقيقة فيه ، وليس الطلب / كله بالقول بل قد يكون بالفعل كما يطلب أحدنا ظالمه إذا هرب منه لكي يظفر به ويأخذ حقه ، فإذا فعل تعالى ذلك وجب وصفه بأنه طالب . ويوصف تعالى بأنه مدرك ويراد بذلك ، أن يدرك المطلوب ولا يمتنع منه ، لأن الطالب قد يمنع ما طلبه وقد يمتنع عليه ، فإذا لم يمتنع عليه قيل أدركه ؛ وقد بينا من قبل أن الإدراك قد يستعمل إذا
هامش
( 1 ) كذا في الأصل وفي الكلام تحريف