تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
صارت المودة بينهما لا تختلف ، وإذا كان مجازا في الأصل ثم لم يحصل فيه من التعارف ما ينقله عن بابه فيجب أن لا يوصف تعالى بذلك ، قال : وهي مأخوذة من الصدق في المحبة ولئلا يضمر خلاف ما يظهره وذلك يتأتى في العباد من حيث يخفى عليهم الضمائر ، ولا يتأتى فيه تعالى فيجب أن لا يوصف بذلك . فأما وصفه تعالى بأنه صاحب المؤمنين فمجاز ، لأن الصحبة في الحقيقة إنما تصح في الأجسام التي تتلاقى وتفترق ، ومتى دعونا فقلنا للغير : صحبك اللّه فذلك توسع . فالمراد به طلب السلامة في سفره ، والسلامة في الحقيقة ليست بصاحب له ، فكل ذلك مجاز . وعلى هذا الوجه يحمل عنه ما روى عنه عليه السلام أنه قال : ( أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الحضر ) فإن قال : أفتصفونه تعالى بأنه خليفة للعباد على الحقيقة ؟ قيل له : ذلك مجاز ، والمراد أنه قد يقع عن المسافر المكاره في وطنه وهو كالخليفة له ، لما كان المستخلف من شأنه أن يفعل ذلك . فإن قال : أفتصفون الغير بأنه خليفة اللّه كما قال تعالى في داود
« إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ »
؟ قيل له : قد أطلق ذلك وقيل إنه خليفة اللّه على خلقه ، لكن الأصل فيه مجاز ، لأن الخليفة هو الّذي يقوم مقام من خلفه حتى كأنه حاضر مدبر ؛ وذلك لا يتأتى فيه تعالى لأنه لا يجوز عليه الحضور والغيبة ولا أن يتعذر عليه التدبير في حال دون حال . فإن قال : فإذا وصفتموه بأنه مكلف ، أفتصفونه بأنه مختبر ؟ قيل له : قد ورد هذا الوصف ، لكنه مجاز ، لأن الاختبار طلب الخبرة بالأمور ، وذلك لا يتأتى إلا فيمن لا يعرف ثم يتوصل إلى المعرفة فيجب أن يكون استعماله في اللّه سبحانه مجازا ، ووصفه تعالى بأنه مبتلى كمثل ، لأن الابتلاء هو الاختبار على ما تقدم ذكره ، وكذلك وصفه بأنه مستحق كذلك ، لأن ذلك يستعمل فيمن يطلب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 211 | القاضي عبد الجبار الهمذاني