وقد بينا في باب المخلوق والكلام في الهدى والضلال ، وأنه « 1 » فعال لا يفعل نفس الإيمان ، وأنه إنما وصف ما فعله من الدلالة بأنه هدى دون الإيمان ، فمتى وصف الإيمان بذلك فمجاز . وبينا أنه لا يقال فيه : « أضل عن الدين » ، لأن ذلك يفيد ما لا يجوز عليه من الأمور التي بيناها هناك . ويقال إنه أضل بمعنى الهلاك والعقوبة المعجلة والمؤجلة وبينا القول في ذلك مشروحا . والأصل في ذلك أنه قد ثبت أنه فعال ، كما يفعل النفع لغيره فقد يفعل الضرر ، وأن الضرر الّذي يفعله على ضربين :
أحدهما : يفعله للنفع ، فيعود الحال فيه إلى أنه يقع ويخرج من كونه ضررا ، وإن كان في الجنس ألما .
والثاني : ما يكون مستحقا فلا يخرج من كونه ضررا ، ويدخل في ذلك العقاب وما يتبعه من الذم ، والإهانة والأمر بذلك .
فإذا صح أنه فعال قد فعل ذلك وسيفعله ، فيجب أن يوصف بأنه ضار ، كما يوصف بأنه نافع ، ويجب أن يوصف بأنه مضل . لأن الضرر الّذي لا يقع فيه البتة يدخل في الضلال والهلاك ، فيجب أن يوصف بذلك . وقد بينا القول في جميع ذلك مشروحا / فلا وجه لإعادته .
فأما وصفه تعالى بأنه منع من القبيح بالنهى والزجر فمجاز ، لأن ذلك ليس بمنع على الحقيقة ، كيف يكون منعا وقد يختار القبيح معه ، ويمكن ذلك فيه على وجه اختياره ولا نهى .
وقد بينا من قبل ما يكون منعا في الحقيقة وما لا يكون ، فلا وجه لإعادته . فإن قيل :
فهل تصفونه بأنه مانع للعبد من الفعل ؟ قيل له « 2 » : نصفه بما يكون منعا للعبد عن مقدوراته نحو العلم الضروري ، الّذي يمنع العبد من اختيار الجهل والظن ، ونحو الحركات المخصوصة الّذي يمنع العبد من خلافها .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ولعل « الواو » زائدة
( 2 ) الأولى حذف « له »